12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الجرس الساحر.. من ذكريات الكويت مع أخي المرحوم ملا أحمد الوحيد

ليتني الآن أستطيع أن أرسل رسالة لأخي أقول له: شكرًا على الذكريات والتجارب. لم تقتلني التجارب بل أظن أنها صنعت مني شخصًا أقوى! أشياء كثيرة لا نقولها في وقتها وتموت في حناجرنا دون أن تصل. سلام يا أخي سلام! في مكتبته قرأت القصص الرائعة وكتب التاريخ والشعر واللغة العربية. قرأت لنفسي وقرأت له. فرصة لا تحصل لطفل إلا بالحظّ والصدفة. لا بد أن أشكره دائمًا على ما فعل من أجلي، ومن أجل العائلة كلها.

عندما كنت طفلًا، في جزيرة تاروت، لم يكن على باب دارنا جرس أو قفل. الباب من خشب قديم، تدفعه قليلًا ويفتح. الدنيا أمان وليس في الدار ما يغري السارق بالدخول. هكذا كان حال أغلب الناس وليس بابنا فقط!

البيوت التي بناها عمال شركة أرامكو على بابها أجراس كهربائية. أحيانًا نتسلى ونتَلهى ونُزعج أهلها بدق الأجراس، وربما وضعنا قشة أو خشبة صغيرة لكي يبقى الجرس يدق ونهرب! أما في الكويت فتبين أن لديهم آنذاك أجراس "إنتركوم" ناطقة. أجراس تنقل الصوت من داخل الدار إلى الباب، لم أرها في جزيرة تاروت.

كان لدى الأخ المرحوم جلسة مسائية بعد المغرب فأخذنا أحد الكويتيين في سيارته إلى حيث الجلسة، أو المجلس، وعندما وصلنا سارعتُ كالعادة إلى الضغط على الجرس ولكن يا للعجب! في هذه المرة خرج صوت إنسان، يتكلم ويسأل: من في الباب؟ اعتقدته جنّيًا أو ساحرًا يتكلم! ارتبكت ولم أعرف كيف أتصرف! أخي يحثني على الجواب والرجل الذي كان معنا يحثني على الجواب. بقيت صامتًا مذهولًا من الجرس السحري. أخيرًا رد أخي - أو الرجل. فتح الباب لنا ودخلنا!

مرة أخرى، شاهد على تغيّر التقنيات فما من أحد الآن يذكر أو يستخدم الجرس القديم. الآن أقفال تُشغّل ببصمة اليد أو صورة الوجه. من أبعد نقطة في العالم تستطيع أن تفتح وتقفل الباب، ترى وتسمع من أي مكان في العالم من يأتي الدار!

طبيعي جدًّا أن يكون باب الدار بسيطًا في الماضي مثل أي شيء آخر. لا يعني أنه لم يوجد حرامي أو سارق. في كل زمان عاش سراق وحرامية. إنما عاش الجيران في بساطة، يعرفون بعضهم بعضًا، ما جعل الحياة هادئة ساكنة، بطيئة الحركة.

الآن ماذا نفعل؟ ماذا نقول؟ هل ذلك الزمان أجمل؟ كلا وألف كلا! هل كان كل شيء جيدًا في ذلك الزمان؟ لا، إنما تعلقنا بالماضي عادة ما يكون بسبب الخوف والتوجس من المستقبل. مستقبل مجهول لا ندري ماذا يحصل فيه مقابل ماضٍ معلوم عشنا كل تفاصيله.

في رأيك القارئ الكريم والقارئة الكريمة: لماذا يلجأ الإنسان للعيش في الماضي؟ يحب كل شيء في الماضي ويعتبره جميلًا، أجمل من الحاضر؟ تعتقد أن الماضي كان بحقّ جميلًا؟ أم لأن فيه رائحة وآثار من عشنا معهم وأحببناهم قبل أن يسير بنا القدرُ في طرقات شتى؟


error: المحتوي محمي