في عالمٍ متخمٍ بالتكنولوجيا، مكتظّ بالرسائل العاجلة، والمواعيد الصارمة، والضغوط المتلاحقة، تومض في وجداننا تلك الذكريات الصغيرة! الذكريات التي لم تُكتب في دفاتر التاريخ، لكنها نقشت في القلوب. من هنا، ينبثق ما يمكن أن نطلق عليه: “حنين الديرة”. هذا المصطلح البسيط والعميق في آنٍ، الذي يشبه زخة مطرٍ على نافذة الشتاء، توقظ في الروح شيئًا دفينًا، قد يكون صبيًا حافي القدمين يركض في "زرانيق القديح”، أو ضحكة صدحت بين جدران الطين، أو كسرة خبز تقاسمتها أمهات الحي في صباحٍ منسيّ.
حنين الديرة ليس مجرّد استذكار لأيامٍ مضت، بل هو حضور حيّ لزمنٍ لم يغب عن الروح، زمنٍ كانت فيه البراءة قانون الحياة، والبساطة فلسفة معاشة. القديح، تلك البلدة الطيبة، لم تكن مكانًا فحسب، بل كانت كائنًا حيًا نعيش في جوفه ونحبه كما نحب الأم. الجدران تُعرف بأسمائنا، الأبواب تُفتَح دون استئذان، والقلب يتّسع للجميع.
الذاكرة الشعبية في القديح: حياة منسوجة بالمحبة
حين نستعرض ما كتبه أبناء القديح في المنتديات والمواقع القديمة، نجد وصفًا دافئًا لمظاهر الحياة: أفراح "الفرقان"، زفّات الأعراس التي تعبر الزرانيق على وقع التهليلات والزغاريد، الأطفال يركضون خلف “ألعابهم”، أو يجتمعون لصنع “المحموص” في مناسبات عاشوراء. بل كثيرًا ما كنا نعود من السباحة في العيون -بملابس لا تكاد تجف- نركض ونتسابق نحو “كيكة قصقوص” رحمه الله، ننهل من حلاوته و"حلقومه" طعم الطفولة، كما ننهل من عيوننا العذبة دفء الانتماء.
البيوت متلاصقة كأكفٍ متشابكة، تنبض بالتضامن. في هذه البيئة، لم تكن الخصوصية حاجزًا، بل كانت الألفة قانونًا، فابن الجار كأخيك، والباب المفتوح عنوان ترحاب.
كانت الأسواق بسيطة، والبائع يعرف أسماء الأطفال، ويقيس الرغيف على الجوع لا على النقود. وكانت المجالس اليومية لا تخلو من كبارٍ ينثرون الحكايات، يربّون بها الأجيال على الاحترام والكرم والهوية. وكان الزمن أبطأ، لكنه أثقل بالقيمة. ربما لهذا نحن نشتاق، لا للزمن بحد ذاته، بل لما كنّا عليه حينها: أوفى، أهدأ، أكثر إنسانية.
الزمن والحنين: البعد النفسي والاجتماعي
الحنين -نفسيًا- ليس مجرّد توق إلى الماضي، بل هو آلية دفاعية تواجه بها النفس ضغوط الحاضر. هو محاولة لاستعادة الشعور بالانتماء، بالأمان، بالعلاقات غير المشروطة. في مجتمع مثل مجتمعنا اليوم، حيث تشظّت العلاقات بسبب الفردانية وانشغال كل إنسان بنفسه، بات “حنين الديرة” نافذةً يطل منها الإنسان على قيمةٍ فقدها، وينتظر استعادتها.
اجتماعيًا تشكل الذكريات الجماعية مثل التي عشناها في القديح نسيجًا هوياتيًا مشتركًا. وهي التي تجعلنا، رغم تفرّق السكن وامتداد المدن، نشعر أن لنا أصلًا، نعود إليه كلما زاد بنا التيه. الحنين إذًا ليس نكوصًا، بل دليل حيويّ على استمرار الروح الجمعية رغم تبدّل المظاهر.
الفكر والهوية.. ماذا يعني أن تكون من “القديح”؟
أن تكون من القديح لا يعني فقط أن تسكنها، بل أن تحمل روحها؛ روح الكفاح، التكاتف، الاستجابة للأحداث بحبّ وانضباط. القديح، وإن أُنهكتها التغيرات، لم تفرّط في جذورها. من يشهد مواكبها في المناسبات الدينية، أو يرى صغارها يشاركون في إحياء المناسبات الشعبية، يدرك أن ثمة طينًا قديمًا لم يجف بعد. وهذا ما يجعل من “حنين الديرة” ليست مجرد عاطفة بل أداة لبناء الوعي بالهوية، وتغذية الجذور الفكرية والانتمائية.
الحاضر والمستقبل.. كيف نستثمر الحنين؟
لسنا أسرى للماضي، لكننا لا نريد أن نُقتلع منه. يمكن أن نعيد روح “الديرة” إلى مجتمعاتنا العصرية، عبر إعادة صياغة العلاقة بالجيران، تنظيم فعاليات شعبية في الأحياء، غرس قيم المشاركة في الأطفال، إحياء المرويات القديمة عبر وسائط حديثة (مثل بودكاست محلي عن “ذكريات القديح”)، تشجيع المسنّين على الحديث عن طفولتهم في المجالس. فلعلّ بعضًا من تلك الذكريات التي تبدأ من “ماء العيون”، وتنتهي بـ “كيكة قصقوص”، تحمل لنا مفاتيح التجدّد الإنساني من خلال الحنين.
كلمة أخيرة؛ من فمِ الذكرى
ربما يُقال إن الحنين لا يُطعم خبزًا، لكن الحقيقة أن الحنين يُشبع الروح، ويُرشدها. فكلما تاهت بنا الحياة، ستبقى لنا القديح، بخبزها، وملحها، وضحكاتها الطيبة، وعيونها الرقراقة، وكيكاتها التي لا تُنسى، تستقبلنا بذات الباب الخشبي، تقول لنا: “عدتُم، وكل الدرب كان ينتظركم”.



