قبل كل شيء وعلى الملأ، ألتمس العذر من الجميع وممن يعتقد أو كما يبدو للكثير أنني قد خذلته، آملة أن ينتهز البعض قليلًا من وقته ليقرأ هذا النص، لعله يتراجع نوعًا ما عن فكرة مغلوطة عني قد راودته. ولعل في حياتنا هذه هناك الكثير من الأبعاد المتناقضة، والتي من المحتمل أن تأخذنا بعيدًا عن واقعنا الذي نعيشه. ونحن من نخشى الحزن، لكننا نحبه ولا نستطيع العيش بعيدًا عنه، حيث تحضرني مقولة الأديب الدكتور المصري مصطفى محمود: "نحن نقاوم ما نحب ونتحمل ما نكره". ونحن نعاني ونقاسي كثيرًا ونتوجع أكثر وننال من الحزن ما ننال حتى في وسط أفراحنا. وعلينا نحن البشر الصمود والمواجهة في جميع الأحوال شئنا أم أبينا، ومهما حاولنا النيل من الدعوات والمحفزات، إلا أنه علينا قبول الواقع وإن كان مريرًا.
بعد مضي شهر كامل على زواج ابني سامر فوزي الجشي، استجمعت قوتي لأكتب عن هذا الشأن، ومن المفترض أني صادقة أن أصل بفرحي في تلك الليلة إلى عنان السماء فإنه غاية كل أم أن تفرح تحت أي مبرر! وكنت حينها معلقة كالميزان بين فرح وترح فيه من التحفظ الخفي، لقد حاولت جاهدة أن أكون متوازنة وثابتة تفاديًا للانزواء والسقوط، وأدركت أن مشاعري غير قابلة للفصل أو العزل، بين فرحي بزواج ابني وبين حزني لعدم وجود أحد بجانبي من أهلي، وذلك لما مروا به من وقت قصير من فقد أقاربهم وأعزائهم وعلى إثر ذلك وبكل جرأة واحترام ألا أتجاوز حدودي ومبادئي وأخلاقياتي أو أتناسى حزن أحبائي الفاقدين! وقررت ألا أرسل دعوة للحضور لأحد أبدًا! ولكن أي فرح سيكون وعلى أية شاكلة سيتم بغياب الأهل الأعزاء! كنت في حال لا أحسد عليه. صدقًا كنت سعيدة وحزينة في آن واحد، دون أن أدرك كيف يمكن أن يحدث لي ذلك من تضارب وتباين بالمشاعر في مثل هذه المناسبة التي كنت أنتظرها طويلًا، والذي منعني عن إدراك الحقيقة والواقع وكأني أعيش حلمًا خياليًا!
لقد أشعرني هذا الحدث وهذه التجربة بوجع عاطفي سلب مني طاقتي، وكأنه سيناريو قد أثار حالتين من الفرح والحزن معًا قلّما يحدث ذلك دون انفصال، ومع هذا وذاك قد أضاف لي ثراء عاطفيًا مثيرًا للتعاطف والاهتمام والاحترام من البعض، إلى جانب ذلك، قد كان هناك من تطاول علي شخصيًا قبل الزواج وبعده! وهناك من اتصل بي مباشرة ناقدًا دون وجه حق ودون اكتراث بما أخفي من وجع حتمي، وهناك أيضًا من أعطى لنفسه الحق في انتقاده لي دون مواجهتي، والأسوأ أن هناك فئة كان موقفها سلبي أمامي.
في النهاية، سأكمل وأختم معًا فكرة النص، بنشر دعوة صادقة للاعتدال بصياغة التعبير وإبداء عمق احترامنا ومشاعرنا وإن كانت تلقائية وعفوية. وعلينا احترام وجع وحزن من نحب دون الرقص على جراحهم. لكن الحقيقة أن الحزن أمر طبيعي جدًا، وعدم تقبلنا طقوس أحزاننا الشخصية هو خطأ وتجاوز حول فكرة عدم احترام الفاقدين والراحلين في خضم تباين المشاعر التي تشكل أعماقنا، كان علينا التأدب في التعامل بمثل هذه الظروف والمواقف.



