بدأت القصة بفكرة نبيلة. مجموعة صغيرة على “الواتساب” تجمع أفراد العائلة أو زملاء العمل أو أصدقاء الحي، بهدف تبادل الأخبار المهمة، تنسيق المناسبات، أو التذكير بالمواعيد والاجتماعات. ولكن مع مرور الوقت، وفي كثير من الحالات، تتحول هذه المجموعات إلى فضاء مزدحم بالرسائل غير المفيدة، والموضوعات الخارجة عن سياق الهدف الذي أنشئت من أجله.
تخيل مثلًا مجموعة عائلية كان الهدف منها تنسيق حفلات الزواج، أو تبادل الأخبار الطارئة، فإذا بها تصبح ساحة لتبادل النكات، والمقاطع المكررة، والنقاشات الحادة التي لا تليق بجو الأسرة. أو مجموعة مدرسية هدفها التنسيق حول المحاضرات والامتحانات، تنقلب إلى مصدر ضغط نفسي بسبب التفاعل المفرط، والتعليقات الخارجة عن السياق، وتكرار الرسائل دون قيمة مضافة.
ومن أبرز مظاهر هذه الفوضى الرقمية، أن بعض الأشخاص اعتادوا تكرار نفس المحتوى في كل مجموعة مشتركين فيها، دون مراعاة لاختلاف الأعضاء أو السياق. فترى نفس الفيديو، أو ذات الخبر، أو النكتة المعادة تنتقل كنسخة لصق في جميع المجموعات، وكأن مرسلها يعيش لحظة “سبق صحفي”، وهو لا يدري أن كثيرًا ممن تلقوا الرسالة قد شاهدوها عدة مرات قبل أن تصلهم منه.
ويزداد الأمر رتابة حين تتحول الرسائل إلى طقوس يومية بلا روح، مثل رسائل “جمعة مباركة”، و”صباح الخير”، التي تُرسل آليًا إلى عشرات المجموعات في الوقت ذاته. لا كلمة شخصية، ولا تعليق دافئ، ولا حتى تفاعل صادق. فقط نص معدّ سلفًا، يُرسل كما لو كان سدادًا لدين، أو أداءً لواجب ثقيل. وهكذا، تفقد الرسالة قيمتها، وتموت حروفها قبل أن تُقرأ، لأنها جاءت من دون إحساس، ولم تُبعث من قلب.
هذه الظاهرة ليست فردية، بل باتت معاناة عامة. يشكو كثيرون من وصول المئات من الرسائل في اليوم الواحد دون فائدة حقيقية، ما يخلق ضغطًا يوميًا على المستخدم ويشتت انتباهه ويستهلك وقته دون طائل. والأسوأ من ذلك أن بعض النقاشات تأخذ طابعًا شخصيًا أو تتحول إلى مشادات كلامية، مما يؤدي أحيانًا إلى خصومات وخروج البعض بصمت، أو حتى خلافات أسرية واجتماعية.
المشكلة لا تكمن في التقنية، بل في طريقة الاستخدام. فـ”الواتساب” أداة، وكيفية توظيفها تحدد إن كانت وسيلة تواصل راقية أم سببًا في التفكك والانزعاج. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة النظر في ثقافة الاستخدام، ووضع ضوابط داخلية للمجموعات.
العلاج يبدأ من تحديد الهدف بوضوح عند إنشاء المجموعة، وشرح الغرض منها لجميع الأعضاء. من المهم أن يتولى شخص واحد مهمة الإشراف وضبط المشاركات، وإرسال التنبيهات عند الخروج عن السياق. كذلك، من المفيد اعتماد لائحة داخلية غير رسمية تتضمن عدم إرسال الرسائل خارج الهدف، وتجنب الرسائل المكررة، واحترام وقت الآخرين، وعدم الدخول في نقاشات شخصية.
كما يمكن استخدام خاصية “كتم الإشعارات” لمنع الإزعاج دون الانسحاب من المجموعة، أو ببساطة مغادرة المجموعة بلطف إذا أصبحت غير مناسبة، مع احترام العلاقة التي تربط بالأعضاء الآخرين خارج العالم الرقمي.
في النهاية، تبقى المجموعات وسيلة، فإن أحسنا إدارتها نُبقي صلتنا قوية وفعالة، وإن تركناها للعبث العشوائي، تحولت من نعمة تواصل إلى نقمة ضوضاء. فليكن لنا وعي رقمي يضبط الإيقاع، ويجعل من هذه الوسائل أدوات بناء لا هدم.
وقد جاء في الحديث الشريف: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”. كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: “ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد” [ق:18]، في تذكير بضرورة أن يزن الإنسان كلماته، سواء نطقها بلسانه أو كتبها بإصبعه.
فليكن ما نكتبه انعكاسًا لوعينا، وما نرسله تعبيرًا عن اهتمامنا الصادق، لا مجرد تكرار بارد أو أداء واجب لا روح فيه. فالكلمة مسؤولية، ومن واجبنا أن نُحسن استخدامها في عالم لم يعد يعرف الصمت.



