12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من المجالس إلى المآتم «عندما تسرق الكاميرا لحظاتنا بلا استئذان»

بينما أتصفح إحدى مجموعات الواتساب التي تضم أبناء الحي والأصدقاء، وقعت عيني على مقطع فيديو راقٍ جدًا ورائع أرسله الأخ مهدي حسن الخاطر في مجموعة «حي الشويكة» التي يشرف عليها الصديق العزيز عبدالكريم حمادة (أبو فهد)، في البداية، كعادتي، لم أعر الفيديو اهتمامًا وسط الزخم الكبير من المشاركات اليومية، لكن لا أعلم لماذا دفعني الفضول هذه المرة لفتحه.

بدأ الفيديو بحديث لافت عن ظاهرة مؤسفة تحدث في بعض المجالس، وهي التصوير العشوائي دون علم أو إذن، حيث تجد شخصًا ما يخرج هاتفه ويبدأ بتوثيق الحضور، أو الأحاديث، أو حتى الأجواء العامة، ثم يُرسل ما صوّره إلى أحد التطبيقات أو ينشره في إحدى المنصات مثل سناب شات أو تيك توك أو غيرهما، وكأن حضور المجلس بحد ذاته منح الآخرين الحق في تصويرك دون علمهم.

في المجالس، هناك أحاديث عفوية، قصص خاصة، أو حتى مجرد وجود أشخاص لا يرغبون أن يُعرف مكان وجودهم، من منحك الحق في فضح خصوصياتهم، ومن قال إنهم يوافقون على أن يظهروا في تسجيل مرئي يُنشر للناس.

التصوير دون استئذان، مهما كانت النوايا، هو تعدٍّ صريح على خصوصية الآخرين، الأمر لا يحتاج فتوى أو نصًا قانونيًا بقدر ما يحتاج إلى ضمير وأخلاق.

لذا، لنتوقف قليلًا قبل أن نمسك الهاتف، ونتساءل هل أحب أن يُفعل بي ما أنا على وشك فعله، وهل استأذنت، وهل احترمت خصوصية المجلس وروحه، فإن لم يكن، فالهاتف مكانه الجيب، لا بين الناس.

هذا الموضوع لا ينطبق على المجالس الخاصة أو الديوانيات فقط، بل يمتد ليشمل مناسبات أخرى، وعلى رأسها المناسبات الدينية، كمجالس العزاء والمآتم، فكثيرًا ما نجد من يخرج هاتفه ويوثق الحضور ويصوّر الوجوه، دون أن يستأذنهم، وكأن الأمر لا يستحق الوقوف عنده.

وهنا لا بد من التمييز، فهناك فرق كبير بين المناسبات العامة والمفتوحة، التي تُعقد بطبيعتها في أجواء رسمية أو تنظيمية، وغالبًا ما تكون وسائل الإعلام حاضرة ومدعوة لتغطيتها، وبين المجالس الخاصة أو المحدودة، التي تُقام في المنازل أو الأماكن المغلقة، وتكون موجهة لفئة معينة، وتحمل طابعًا اجتماعيًا أو دينيًا ذا خصوصية، ففي الحالة الأولى، التصوير متوقع ومقبول ضمن الضوابط لأن من حضر يدرك طبيعة المناسبة ويعلم أن الكاميرات مصوبة في كل اتجاه لتوثيق الحدث، أما في الحالة الثانية، فالتصوير دون إذن يُعد تعديًا فجًا على خصوصية المكان والحضور.

هذه الظاهرة، برأيي، ظاهرة غير لائقة، بل غير أخلاقية أحيانًا، فلا بد من أخذ إذن الناس، ويجب أن ننتبه، بل يجب على أصحاب المجالس أنفسهم أن يتولوا مسؤولية التوعية، وتوجيه من يقومون بالتصوير بأن هناك حدودًا يجب احترامها.

قد أكون أنا أو غيري أرغب في حضور مجلس معين، مجلس عزاء، أو مناسبة دينية، لكن لا أرغب أن يعرف الآخرون أنني حضرت، فبأي حق يتم تصويري ونشر صورتي، وما الفائدة المرجوّة من هذا التصرف، إن أراد أحدهم توثيق المناسبة، فبوسعه ذلك دون أن يوجّه الكاميرا إلى الوجوه، أو يقتحم خصوصية الأفراد.

هذا موضوع توعوي من الدرجة الأولى، يجب أن نكون جميعًا قدوة، خصوصًا مع الجيل الصغير، ونعزز فيهم احترام المجالس وحرمة المكان، للأسف، وكما أشار صاحب المقطع، فإن من يقع في هذا الخطإ غالبًا ليسوا صغارًا في السن، بل كبار، متعلمون، يفترض أنهم أكثر وعيًا.

قالها صاحب مقطع الفيديو بصراحة، بل بقسوة صادقة، استحوا، فماذا تركتم للصغار وأنتم الكبار، كلمة ثقيلة، لكنها لامست الحقيقة، ونحن بدورنا نقول لعلها تكون جرس تنبيه نحتاجه جميعًا، قبل أن نمدّ أيدينا إلى هواتفنا، ونمدّ عيون الآخرين إلى خصوصيات لا تخصهم.

وختامًا، قد لا يتفق معي البعض في هذا الموضوع، وهذا لا يفسد في الود قضية، فلكلٍّ وجهة نظره، وربما يرى البعض أن التصوير في مثل هذه المجالس أو المناسبات أمر اعتيادي لا يستحق هذا التوقف الطويل، وقد يقول آخرون إن النية حسنة، وإن الهدف من التوثيق هو الحفظ الشخصي فقط، وهذا مفهوم ومقدر ولا خلاف عليه.


error: المحتوي محمي