(سيرة ذاتية لمنصب تُوفي فجأة دون عزاء رسمي)
ذات صباح بارد الطقس، حار الملامح، استيقظ المنصب على خبر وفاته. لم يُكتب نعيه في الصحف، ولم يُرفع اسمه في مسيرة وداع رسمية، بل اكتُفي برسالة إلكترونية قصيرة تقول:
“نشكرك على جهودك السابقة، وقد تم تكليف فلان بمهامك.”
وكانت تلك الجملة أصدق مرثية، وأقسى صفعة تلقاها كائن بشري في مقتبل الوجاهة.
البطل في هذه الحكاية لم يمت… لكن شيئًا كبيرًا فيه مات، دون أن يشيّعه أحد. جلس يحدق في هاتفه وكأن الشاشة ستفرج عن خبر نفي الإقالة، أو تعيد له توازنه مثلما تفعل القطط عندما تسقط. لكنه لم يكن قطًا، كان إنسانًا ارتبط قلبه بمنصبه حتى صار المنصب هو القلب… والفصل هو السكتة.
منذ ساعة إعلان الوفاة غير الرسمية، بدأت مراسم الجنازة الصامتة. لم يحضر أحد بالورود. لم يتصل أحد للعزاء. بل إن الهاتف نفسه، الذي كان لا يكفّ عن الرنين، صار قطعة ديكور تملؤها رسائل الشحن الترويجي من شركات الاتصالات.
حتى المنبه، لم يعد له فائدة… فقد انتهى زمن المواعيد.
أغرب ما في الجنازة… أن الميت نفسه هو من حضرها، ووقف عند رأس النعش يصفق لمن أتى ليأخذ مكانه!
نعم، لقد دُعي للحضور في تكريم لم يعلم أنه تكريم وداعي. صعد إلى المنصة وهو لا يعرف أن فلاشات التصوير التي تلاحقه… ليست إلا التوثيق الأخير قبل دخول أرشيف النسيان.
في تلك الليلة، لم ينم، ليس لأن قلبه مكسور، بل لأنه أعاد تشغيل ذاكرة مجده أكثر من مرة… كأنها فيلم قديم يرفض أن يعترف أن النهاية قد عُرضت بالفعل.
مرّت عليه مشاهد “كنت معنا مديرًا”، “تشرفت بعضويتك”، “حضورك يشرفنا”، ثم اختفت هذه الجُمل مثل ممثلين صامتين غادروا المسرح قبل أن يُطفأ النور.
وحين قرر أن يكتب منشورًا على وسائل التواصل، تراجع… شعر أن كل كلمة قد تُقرأ على أنها “رجاء” لا “بيان”، على أنها “عبرة” لا “عبرة عنه”، فاختار الصمت، وهو أشد أنواع الضجيج وجعًا.
في اليوم التالي، ارتدى بدلته المعتادة، تلك التي كانت تُرهق أعين المصورين من كثرة ما التقطوا لها صورًا، ثم ذهب إلى نفس المكان الذي اعتاد أن يُستقبل فيه بالأحضان والتصفيق.
لكنه وجد نفسه يُسأل:
“هل لديك موعد؟”
كأنّ أحدًا لا يعرفه… كأن المنصب كان بطاقة هويته الوحيدة.
رجع إلى بيته حائرًا، وجلس أمام المرآة طويلًا، ليس ليصلح هندامه… بل ليحاول أن يتعرف على هذا الذي يجلس أمامه.
“من أنت؟”
“أنا الذي كان مديرًا.”
“وماذا صرت الآن؟”
“شاهدًا على جنازة المجد السريع… بدون تابوت، بدون قبر، فقط حفرة في الذاكرة.”
الحقيقة المرعبة؟
المجتمع لا يحزن على المنصب الراحل، بل يحتفل بمن جلس عليه بعده.
الناس لا تبكي المدير السابق… بل تمسح ذاكرته سريعًا لتسجل أرقام المدير الجديد.
الحياة تمضي بسرعة… لكن من خُلع عن كرسيه لا يستطيع أن يجري خلفها، لأنه ما زال يبحث عن ظله في زوايا الصور القديمة.
…ولك أن تتخيّل، بعد أن حضر الميت جنازته، وودّع المنصب كأنه قطعة أثاث مستهلكة، عاد ليتأمل العالم من حوله بعيون أخرى، لا تحمل الزهو بل التساؤل:
“هل أنا الوحيد؟”
لا.
بل هذه هي القاعدة… وهذه حكاية كل من اعتلى الكرسي وهو يظنه مرتبة وجود، لا مرحلة عبور.
فانظر إلى أولئك الموظفين الذين ملأوا الدنيا حركةً وقرارات، كانت هواتفهم لا تهدأ، وكأنهم نافذة الكون، موقّعون على حركة الفصول الأربعة.
أين هم الآن؟
انطفأت هواتفهم مثل مصابيح اختُتم بها حفل زفاف. لم يتصل أحد، لم يسأل أحد، حتى رسائل الأعياد الجماعية لم تعد تصلهم إلا عن طريق الخطأ.
أولئك الذين كانوا “أعمدة” في شركاتهم… باتوا مجرد صور مؤطرة على حائط الذكريات، يتيمّم عليها الداخلون كأنهم مرّوا بمقبرة داخل المصعد!
ثم انظر إلى المتقاعدين، كبارهم وصغارهم، ذوي الألقاب المتعددة أو المهام البسيطة، الجميع بلا استثناء.
كانوا… فأين صاروا؟
ذاك الذي كان رئيس قسم يتحدث باسمه موظفون، ويُفتح له باب المدير التنفيذي بمجرد سعاله، أصبح الآن شخصًا يبحث عن خصم في فاتورة الهاتف، أو يتصل بخدمة العملاء كأي مواطن… ويُقال له: “اضغط الرقم 3 إن كنت لا تزال موجودًا.”
حتى ذلك المدير العام الذي كانت له سكرتارية خاصة وسيارة رسمية ومعاملات تُنجز بتوقيعه الفضي، صار يُوقّع حضوره في مجلس الحي، ويسأل عن تخفيضات الزيت والسكر.
ما عاد أحد يرد عليه بـ”سعادة المدير”، بل بـ”ياهلا عم أبو خالد!”
كأن المنصب انزلق عنه مع بذلته الرسمية، وسقط في مصعد لا يصعد أبدًا.
والأدهى، أن بعض المؤسسات التي كانوا فيها لا تعترف بوجودهم حتى عند البوابة!
كأن الذاكرة حُذفت عمدًا.
كأن التقاعد جريمة تُنسى بها سيرتك.
لا دعوات، لا رسائل، لا “كيف حالك”، إلا من زميل وفيّ شارف على التقاعد هو الآخر، ويكتب الرسائل الآن بنبرة مودعٍ يعرف أن دوره قادم.
إنه الواقع…
ما حدث لصاحبنا في القصة، هو ليس استثناءً، بل هو خلاصة حياة موظف عاش مجده في دفتر الدوام… وانتهى اسمه بانتهاء آخر ختم.
الجنازة لا تخص فردًا، بل ثقافة كاملة تؤمن أن الإنسان لا يُساوي شيئًا بدون منصبه.
وها نحن نكتب عنهم… لا لنبكيهم، بل لننبه الأحياء الذين لا يزالون يخلطون بين ذاتهم وكراسيهم، أن المجد الحقيقي لا يُصنع في الوظيفة… بل في الأثر، ولا يُخلد بالكرسي… بل بالكرامة.
ولا تنسَ أن أغلب الشهادات التي نُمنحها في حياتنا… ليست لإثبات مناصبنا، بل لإثبات حضورنا في جنازات كانت أحيانًا تخصنا، وأحيانًا نُشيّع فيها أنفسنا ونحن نبتسم كالحمقى.



