12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مدارج..

ذات مرةٍ؛ كتبت بلسانٍ حديث؛ مرتدياً وشاحا من حكمة:

"لسعادتك في أُخراك..
انظر لمن هو أعلى منك في الكمالات..
واعتبر أنّك دون الخلق جميعا..
فإن ارتقيت وارتقيت كنتَ من الفائزين..

ولسعادتك في دنياك..
انظر لمن هو دونك في المعاشات..
فإن ملكت بُلغة عيشك فاحمد الله على جزيل النعم وكن من الشاكرين.."

فإذا بي بقبسة نور من سادات الحكمة والبلاغة(*)
تمرُّ كالبرق الخاطف للعيون والألباب:

" اعمل لآخرتك كانَّك تموتُ غدا..

واعمل لدنياك كانَّك تعيشُ أبدا.."

فذهلت قائلا: أوااااه..  لم أمسك فيما حذلقتُ إلاّ بوهجٍ ضئيلٍ هزيلٍ من أشعة الشمس..

فعدت ادراجي لهشاشة ما كتبت؛ علّني اهتدي لمصفى العسل، ونور الحكمة؛ فطالعني شعاع أعشى بصري: 

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)

فصعقت لجلالها وجمالها فقلت..
الله.. الله.. الله..
جلّ الله وتبارك..

كلّنا نصنع الحكمة..

وكلّنا يخالفها.. 
ومن في سبيل الكمال فإنه يخوض غمارها؛ حبا لها، وتوقاً لنيلها..
ولكن اين نحن من كلام آل الله -فضلا عن كلام الله- ولو حاولت الخلائق عمر الدهرِ  ان ياتوا بمثل ما قالوا ما اهتدوا لذلك سبيلا وإن كان بعضهم لبعض ظهيرا..

حسبُك أيها القِنّ.. 

حسبُك ايها الغِرُّ الفقير..

______
بلغة عيشك:ما يكفي لسدّ الحاجة ولا يفضُل عنها.
حذلقت: تَكَلُّفت وَتَصَنُّعت فِي إِظْهَارِ الْمَهَارَةِ وَالحِذْقِ
القِن: العبد
الغٍرُّ: قليل التجربة..

(*) منسوب للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ولبعض الأئمة كالإمام الحسن(ع) والإمام الكاظم (ع)
وهناك حديث قريب في مضمونه رواه الإمام الصادق (ع) عن جده الإمام علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ..
وهو كما في الكافي (م٢-ص٨٧):
حميد بن زياد، عن الخشاب، عن ابن بقاح، عن معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك ، [ فـ ] إن المنبت - يعني المفرّط - لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هَرِماً واحذر حذر من يتخوف أن يموت غدا.


error: المحتوي محمي