12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

البطّة المرتاحة و«طلاق بنكهة الزهايمر»: حين لا يرافقك الحب.. بل يبقى في البيت

حين قرأت المشهد من فيلم A Separation، لم أرَ فقط طلاقًا ولا حتى مشكلة زوجية. بل رأيت لوحة إنسانية، مذهلة في عمقها وبساطتها، كأنك تنظر في مرآة مشروخة ترى فيها قلوبًا تحاول الالتقاء لكن الزجاج بينهما لا يذوب، بل يعكس دموعًا صامتة لا يسمعها إلا من عاشها.

في المحكمة، وقفت “سيمين” تطلب الطلاق لا لأنها تعاني من عنف أو إهانة أو حتى شُحّ مادي، بل لأنها تريده أن يرافقها… أن يمشي بجانبها، أن يقول للعالم: هذه امرأتي، وأنا خلفها، أمامها، معها. لكن الزوج “نادر” يرفض. لماذا؟ لأنه لا يستطيع ترك والده المصاب بالزهايمر. الأب الذي لا يعي حتى من يكون هذا الابن… لكنه بالنسبة لـ”نادر” ما زال “أبًا”. وهنا يبدأ الفيلم الحقيقي. ليس ذاك الذي على الشاشة، بل الفيلم الذي يسكن في كل بيت وفي كل علاقة وفي كل زواج لم يُفهم كما ينبغي.

أين تبدأ المسؤولية؟ وأين تنتهي؟ هل الرعاية مبرر لغياب الحب؟ هل يمكن للواجب أن يحل محل العاطفة؟ وهل فعلاً نطلب كثيرًا حين نقول: “ارفق بي ورافقني؟”.

يا الله، كم من نساء انسحبن بصمت لأن الرجل كان طيبًا، لكنه ليس معهن. يعيش في البيت، نعم. ينفق، نعم. يبتسم، ربما. لكنه لا “يرافق”. وكأن الزواج عقد نقل ملكية لا شراكة حياة.

لكن لماذا قررت أن أفتح شركة باسم “البطة المرتاحة للنقل والسياحة” بعد قراءة هذا المشهد؟

لأننا نحتاج فعلاً وسيلة تنقل قلوبنا، لا أجسادنا فقط. شيء ما يحملك من وجعك إلى شخص يراك، لا فقط “يعرف أنك موجود”. لأن كثيرًا من الزيجات اليوم تعيش في بيت واحد، لكنها في الواقع بلا رحلات ولا وجهات. فقط ركود. طقوس حياة آلية. وهذا تمامًا ما رفضته “سيمين”. لم تكن تحتاج إلى رحلة سفر، بل إلى شريك في الرحلة.

وهنا، تُفتح بوابة التحليل الثقافي والاجتماعي على مصراعيها…

نحن نعيش في مجتمعات تُثني على من يبقى، حتى لو بقي كالجدار. المهم أنه لم يهرب! يمدحون الرجل الصامت، المتحمل، الحامل لأعباء الحياة، حتى لو لم يكن حاضرًا روحًا، حتى لو لم يعرف متى بكت زوجته، أو لماذا أصبحت ابنته أكثر صمتًا. يكفي أنه يدفع الفواتير، ويضع المفتاح في الباب كل مساء. لكن هل يكفي؟ هل هذا يُسمى حياة؟ شراكة؟ أم صيانة دورية لعلاقة ميّتة؟

سيمين أرادت حياة، لا شفقة. أرادت حضورًا، لا بقاءً صوريًا.

بالمقابل، لا يمكن أن ننكر جمال موقف “نادر”. في زمن العاقّين، وقف هو ليقول: “أنا ابنه، حتى لو لم يعرفني”. ويا للروعة! لكنه في ذات الوقت، قال لزوجته: “اذهبي إن أردتِ”… قالها ببرود، ليس قسوة بل قناعة. ظنّ أن الحب إن لم يكن بالقوة، فلا داعي له. لكنه نسي أن المرأة لا تريد قوة… بل مرافقة.

هنا تتقاطع الطرق:

– بين الوفاء لوالد لا يعرفك
– والوفاء لزوجة ترى فيك العالم وتنتظر منك أن تقول: “أنا معك، لا تذهبي وحدك”…

كم من “نادر” في بيوتنا؟
وكم من “سيمين” مشنوقة بصمت؟
كم من امرأة تفكر في الطلاق ليس لأن زوجها سيئ، بل لأنه ببساطة… لا يراها؟

وهنا، تنطلق “شركة البطة المرتاحة للنقل والسياحة”…

لا لنقل الناس من البيت إلى السوق، بل لنقل العلاقات من الزهايمر العاطفي إلى الصحوة. من طلاق صامت إلى مصالحة صاخبة. من كلمة “اذهبي إن أردتِ” إلى “انتظري، سآتي معك”.

سأسميها “شركة القلب المرافق” أيضًا، فرع من البطة الأصلية، نرسل فيها رجالاً مدرّبين على الجلوس بجانب زوجاتهم دون النظر إلى هواتفهم، ونوفر رحلات داخلية لا إلى تركيا أو جورجيا، بل إلى داخل نفس الآخر، حيث يمكنك أن تقول: “أنا معك، فعلاً، لا شكلاً”.

أيها القاضي…

كل ما أرادته تلك المرأة هو يد في الطريق. عين لا تنشغل عنها. خطوات تُسمَع. حضور. وقدّم لها زوجها ألف سبب لعدم مرافقتها، لكنها لم تكن تبحث عن ألف… كانت تحتاج واحدًا فقط: “سآتي معك”.

أما الزهايمر، فليس في عقل الأب المسكين. بل في قلوب كثيرة نسيت معنى أن تحب دون شروط، أن تحضر دون طلب، أن تكون موجودًا لأنك تريد، لا لأنك مُلزم.

في النهاية…

الفيلم لم ينتهِ بالحكم، بل بانكسار صامت خلف الأبواب. تمامًا ككثير من البيوت التي تُضاء مصابيحها ليلاً، لكن قلوبها مظلمة. ولو أن تلك البطّة المرتاحة خرجت من فكاهيتي إلى واقعكم، لكانت أولى رحلاتها إلى البيوت التي نسيت كيف ترافق، وكيف تحب، وكيف تمشي في الطريق سوياً.

فيا نادر…

لا نطلب منك أن تكون فارسًا على حصان أبيض، فقط كن بجانبها حين تقول “هل ستأتي؟” وقل: “نعم، هذه الرحلة لا تستحق أن أخوضها دونك”.

وأما أنا، فسأبدأ تصميم الشعار… بطة أنيقة تلبس نظارة شمسية، وتحمل حقيبة، وفي خلفيتها عبارة: “شركة البطّة المرتاحة… نوصلك لأقرب قلب”.


error: المحتوي محمي