تغمرنا ألطاف رب العالمين ورحماته خلال مراحل حياتنا، بدءًا من نشأتنا الأولى في لحظات تكويننا بين الظلمات الثلاث، وتستمر إلى ما بعد ولادتنا وتتابع مراحل عمرنا ونحن كهول، نعيش هذه الحياة بين قوة وضعف، نفرح باللحظات التي نشعر فيها أننا أقوياء، نكابد من أجلها العيش الرغيد، نفرح بسعة الرزق، والصحة، والمال، والبنون، ونعيش بينها على يقين أنها دائمة لنا، في حين ما هي إلا أمانة ومال لله، قد نفقده في أي لحظة ومن دون سابق إنذار.
ورغم إدراكنا أن دوام الحال من المحال، نعيش حياتنا بشعور مغيب فيه التفكير بضنك العيش، مع أن ذلك أمر وارد لا مفر منه، ونجد أنفسنا بين عشية وضحاها نغدو بين بلاء لا نعرف منه إلا أن نشكر الله على نعمه السابغة، وأنها منه وبعينه التي تمنح، ووراءه حكمة قد نعلمها بعد حين، وعلينا الصبر، عسى أن تنجلي وندرك البصيرة في يوم ما، وهنا يتجلى وصف قلة حيلتنا في قول الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- يصف فيه ضعف الإنسان وقلة حيلته: “مسكين ابن آدم، مكتومُ الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البَقَّة، وتقتله الشرْقة، وتُنتنه العَرْقة”، هذا حالنا مع البلاء.
قبل ما يناهز ثلاثة أشهر، أطلت عليكم حروفي بخجل تحكي تجربة عائلتي في محاربة مرض السرطان الذي داهم جسد ولدي محمد ذي الـ15 ربيعًا، وما زال ضمن خطته العلاجية والمتابعة إلى يومنا هذا، وذيلت المقال بـ”للحديث بقية..” ومع ما نال من إعجاب القراء والمعارف من حولي، إلا أن حروفي تاهت بين زحام المهام اليومية التي تضج بين البيت والأولاد، وعملي الصحفي والاجتماعي، وسط إلحاح من أقابلهم وسؤالهم بعد السلام مباشرة: متى تكملي الحديث؟؟ حتى بت أنسى أي حديث؟! إلا أني أتذكره في حينها وأنا خجلة منهم على التقصير.
حكاية لا تعني شيئًا عند البعض، إلا أني عندما أتذكر أحداثها أجدها كانت محطة لمراجعة النفس، لمعرفة درجة إيماني، والعلاقة التي تربطني مع الله، وهل كنت أتقرب لربي بصورة رضا منه؟ مع ما راودني حينها: ماذا حدث؟ وكيف يمكن أن تُطوى هذه الشهور العجاف وتكون من الذكريات؟ كيف أتخذ هذه التجربة فرصة للقرب من الله، ووقفة لمعرفة مدى إيماني، وإلمامي بالمهارات والمعرفة التي تقوي نفسي على المستوى الصحي، وكذلك علاقتي بالآخرين، مع عدة شخصيات على المستوى العائلي والاجتماعي، متسائلة: هل نجحت في تربية أولادي، بغرس المحبة بينهم، لدرجة من السهل أن يفتدي أحدهم بجزء من جسده من أجل حياة أخيه من دون تردد؟
حملت أملي بالله، رغم الثقل النفسي الذي يشجيني، كنت أردد في قرارة نفسي: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، ويجب تبديده بطريقة عقلانية بعيدة عن العواطف، مؤمنة بأنها خيرة من عند الله، بما تحمل من ألم عجزت وقتها عن البوح بأدق تفاصيله، ونحن نواجه مرضًا تتصاعد حدته تارة وتهدأ تارة أخرى، أصبح يلازم جسد ولدي وعلينا التعايش معه بكل صبر، إلى أن يكتب الله له الفرج بالشفاء.
بوادره الأولى بدأت مع دخوله مستشفى القطيف المركزي، على أنه مرض لا أعرف ما هو، وتغيرت نظرتنا له مع إجراء التحاليل وغياب سرعة التشخيص، ومحاولة التأكد من اختصاصيين لهم خبرة أعلى، ونقله لمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض بات أمرًا مسلّمًا به، مع الاعتراف بضرورة الصبر على البلاء الواقع.
قبل الذهاب إلى الرياض، كانت لنا زيارة إلى مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، بتحويل من مركزي القطيف للتأكد من الفحوصات عبر أخذ خزعة من نخاع العظم، كان ذلك يصادف اليوم الخامس من ذي الحجة 1445هـ. وقتها لم يكن محمد يعلم ما به، ولا يعرف عن المستشفى حتى الاسم، فقط مستشفى تخصصي يقدم خدمات طبية عالية، نُقل إليه نقلًا إسعافيًا، دخل وخرج منه ماشيًا، وجلس على مقاعد الانتظار، وعينه ترمق المرضى الداخلين والخارجين، بين من يُنقل متكئًا على عصا، وجالس على كرسي متحرك، أو مستلقٍ على سرير متحرك، وجوه متغيرة لا يعرفها، كانت تشتكي الألم، الإعياء، يلوح عليها التعب من وخز الإبر، والعلاجات الجراحية والكيماوية، التي غيرت ملامحها، أصبح بعضهم لا يشبهون أنفسهم، كانت جدران ممراته تتحدث عنهم من خلال الصور المعلقة عليها لأبطال استطاعوا قهر ذاك المرض والانتصار عليه، بعد أن أخذ منهم أجمل اللحظات من عمرهم.
لم يطل انتظارنا، خرجنا منه من دون أخذ أدنى شيء، بسبب الانخفاض الحاد للهموغلوبين في دمه، وهنا انهالت تساؤلاته، وفي مقدمتها: لماذا أغلب من في المستشفى ليس لهم شعر، وملامحهم كأنها متغيرة؟ أجبته بقولي: “هؤلاء مرضى سرطان، ومع العلاج الذي يأخذونه يتساقط شعرهم، وتتغير بشرتهم”، وأضفت له: “الحمد لله، أنت بخير، بعين الله، ورجوعنا خالي الوفاض خيرة من الله”.
ولم تكتمل عشية التاسع من ذي الحجة (يوم عرفة) إلا باستقبال رسالة جوال من مستشفى الملك فيصل ومراكز الأبحاث في الرياض: تم قبول ابنكم محمد للعلاج في مركز الملك عبد الله للأورام وأمراض الكبد التابع للمستشفى، سيتم توفير سرير له وعليكم الحضور. وقتها كنت في جلسة ودية مع أخواتي وجارات الطفولة، كانت تداعبنا الذكريات وأحاديث الزمن الجميل، استقبلتها بنظري وقلبي، وكان لساني يردد في صمت: الحمد لله رب العالمين.
كان لزامًا علينا الذهاب للمستشفى صبيحة يوم عيد الأضحى، يسبقنا محمد في النقل الإسعافي، الذي كان جالسًا فيه، نعم جالسًا بكل حواسه والحمد لله، ونحن من ورائه، تاركين جميع تفاصيل البهجة التي تتخلل يوم العيد بما يحمل من تجمعات وزيارات عائلية. خلال يومه لم أسمع التبريكات بحلول العيد بقدر الدعاء بأن نعود سالمين ومحمد معافى. ذهبنا، وتركت خلفي اجتماعنا مع عائلة زوجي لغداء العيد، وزيارة أمي وأخواتي لتبادل التهاني، التي يغمرها توافد أبناء أخواتي والأهل للقاء والدتي ونحن معها، الجميع كانت لهم كلمة واحدة: “الله يعافي محمد، مكانك خالي أم حسن”، “مكانك خالي خالة”. تركتهم بعد أن عودت أولاد أخواتي في كل عيد بتصويرهم مع والدتي الغالية، توثيق زيارتهم وهم محاطون بها، لقد كان عيدًا من دون صور، وبقيت الصورة التي لا تغيب هي الإيمان المبطن باليقين أن لطف الله ورحمته تغمرنا بالبركات التي فاضت علينا من ذلك اليوم إلى يومنا هذا.
للحديث بقية.. لن أغيب طويلًا.



