13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إلى الأنيس حسن جواد 

أمَّا دعوتكَ - لحفل زواج حفيدك- الخضِلة النديّة فما زالت غضّة طريّة، وأنت تهمس - همس المُلِحّ الحريص - كما هي عادتك تعرف متى ترفع صوتك ومتى تخفضه: لا تخلّي!

أذكرك؛ يا صديق الجد ورفيق الأب وأنيس الابن ومؤنس الحفيد، أذكرك تخبرني بالحفاوة التي تملأ حديثك عن حكاية الجد وجودة خياطة سفرة الخوص التي عمرها خمسون ولا زلت تحتفظ بها مُعبِّرًا عن الامتنان شاكرًا الجودة ذاكرًا الإحسان. ثم تُحدِّث عن الوالد، عن الإيمان والعطف والتحنان، عن الروح والريحان، عن ظرف الجد وطمأنينة الوالد وقرابة الوالدة وذكرياتهم جميعًا.

كنت حيًّا تحب الحياة، وتذكر الموت إن ذكرته ليس إلا تحسُّرًا على فراق الأحبّة، غير أنك تأنس بذكره ولا تذكره إلا والسلام يلوح من الشعور والكلام ورفاق "دار السلام" الذين صحبتهم وصحبوك ولا أدري كيف تيسّر عليهم - أعظم الله أجرهم- أن يحملوك ويدفنوك.

أحدهم السيّد الذي عبّر بعد الدفن في استراحة المقبرة مودّعًا بابتسامة الأسف: "الحين رقمه عندي إذا دقيت عليه.. من بيرد عليي؟"

كنتَ حيًّا جدًّا حتى ظننتُك لا تموت، ولا أُلام إذ  "الذكرى شكل من أشكال الخلود"، فذاكرتك تتقدمك وتسبق خطواتك إلى الحياة والرسوخ، تمشي على الأرض هونًا، لكنها - في الوقت نفسه - مهيبة ثقيلة كأنها مشية الذكريات المحفورة المخفورة في إهاب الزمان.

كنت السارد الأنيق الرشيق الذي يذكر الأهم ولا يُغفل المهم من التفاصيل، أمارة الحذق والذكاء والالتفات للتفاصيل واجبة الذكر. ساردًا دون حشو ولا لغو ولا إهمال. 

كان "حسن جواد" صندوقًا من الذكريات يتحرك على الأرض، ومَنْجَمًا من السرد يفتح بابه لمن طرقه. 

حفظتُك في الكلمات والأوراق، في الذكريات، وفي القلب قبل ذلك وبعده يا أبا محمد.

حكاياتك عن الأرزاق العديدة و"السواقة" و"الخبازة" وبركة "الرزق الغيّابي".

تقول الحكاية وتعقبها بالحكمة منها ثم الضحكة المجلجلة أو الخافتة التي تمهر بها الحكاية كأنها ختمها وصبابتها وعلامة الزمن عليها.

كم  كنتَ رجُلاً مُجَلْجَلاً (لطيف المعشر)، مُجَلْجِلاً (ظريفًا)، تغدق على الصغير بوافر القُبلات، والكبير بلطف الكلمات. هيِّنًا ليِّنًا سهلاً قريبًا، فأرجو أن تُحرّم - كما أخبر الصادق الأمين- على النار.

يقول الابن الصغير لأبيه المحزون مواسيًا: حاول أن تصادق من يشبهونه. 
تقول ذلك يا صغيري لأنك لم تلمس حرارتها من صوته وهو ينطق عن قلبٍ حارٍّ كتنّورٍ مُشتعلٍ من الفقد: راحوا !

لم يعد لدينا إلا الذكريات، فبها ربما هزمنا الموت/ النسيان. والأمر والمرجع لله. 

رحمك الله - أخا الصباح - أجيالاً من الرحمة وأوسع مدخلك وأكرم نزلك بعدد الأجيال الذين وسعهم صدرك وحملهم قلبك الكبير.

غفر الله لك وحشرك ضاحكًا مستبشرًا بلقاء أحبّتك من الطيبين الراحلين وكنت ترثيهم بصوتٍ ناعٍ شجيّ صادق: "إيييه.. راحوا يابو أحمد راحوا.!" سلّم على من كنت تُسلّم وتترحّم عليهم، سلامًا كثيرًا جميلاً يشبهك.

حشرك الله وإياهم مع محمد وآله الطاهرين، وجمعنا وإياكم في مستقر رحمته.


error: المحتوي محمي