12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سيرك الغرائز

(الإنسان ككائنٍ متعدِّد الوجوه)

في الإنسان تسكن الوحوش… ويستيقظ الوعي
(قراءة تأملية مستوحاة من د. مصطفى محمود)

“كلما أمسكتُ بحالةٍ من حالاتي وقلتُ: هذا أنا،
ما تلبث أن تفلت من أصابعي،
وتحلّ محلّها حالةٌ أخرى… هي أنا أيضًا.”
— مصطفى محمود | لغز الموت

من المُدهش – والمُربك – أن تكتشف أنّ ما نُسميه عادةً “غريزة الحيوان”،
ليس إلا مرآةً مُعتمةً لنفوسنا.
فالحيوان لا يخجل من فطرته،
لا يبرّرها، ولا يُجمّلها،
بينما نحن، أبناء التناقض،
نتقن التبرير… ونتقن الزيف.

الإنسان ليس كائنًا متفوّقًا فحسب،
بل هو حديقةٌ داخلية تتصارع فيها طبائعُ الوحوش،
كأنّ الطبيعة جرّبت الحياة في صورها كلها—الثعلب، الأسد، الحمامة، الغزالة، الحرباء—
ثم صبّت خلاصتها في هيئة واحدة: الإنسان.

هو الثعلب حين ينسج المكيدة بخيوط المنطق،
والأسد حين يزأر من شهوة السيطرة،
والحمامة حين تُخفي أنيابها تحت رِقّة الريش.
هو الغزالة حين يحب،
والنمر حين يكره،
والحرباء التي تغيّر جلدها،
في كل موقف،
بل في كل رمشة وعي.

هذه القدرة العجيبة على التقلّب،
هي ما يجعل من الإنسان كائنًا غيرَ مستقر – كما قال نيتشه –
لكن د. مصطفى محمود يرى ما هو أبعد:

“الإنسان هو مجموع ما فيك من شحمٍ ولحمٍ وعظم،
وما فيك من غرائز، وأوهام، ورغبات،
وما يسكن في عقلك من هواجس وخيالات.”

نحن لا نعيش طبائعنا فقط، بل نراقبها… نبررها… نرتبها في هياكل فكرية
ثم نُسوّقها كقيمٍ راقية.
نسمي المكر: ذكاءً،
والغضب: شجاعةً،
والجبن: حكمةً.

نحن وحدنا
من يُصفّق لوحوشه في الداخل،
ثم يُنكرها حين يُضاء المسرح.
نحن السيرك…
نعرض الغريزة على هيئة دراما.

⸻

خاتمة بلا قناع

ربما لم يُخلق الإنسان ليكون ملاكًا،
ولا وحشًا خالصًا،
بل كائنًا يمشي على حبلٍ مشدود فوق هاوية الغريزة،
يحمل في جيبه قناعًا لكلّ موقف،
وفي قلبه ساحةً تتصارع فيها الكائنات المنسيّة التي سكَنَتْه منذ أول الخليقة.

والسؤال الذي لا يموت:
من نحنُ حقًّا… حين لا يرانا أحد؟
ومن يتبقّى فينا…
حين تسقط آخر الأقنعة؟


error: المحتوي محمي