في فصل الصيف، حيث تبلغ درجة الحرارة أعلى المستويات، وتذيب حتى الحديد كما يشبهها البعض ودون أي مقدمات، تتعطل بك السيارة في وسط الطريق، فيتفاعل من حولك مع الموقف بطرق متباينة؛ منهم من يُزمر ويُشَبر ويبدي غضبه لأنك تسببت من دون قصد في تعطيل حركة المرور! والبعض الآخر يُشَمر عن ساعديه ويبادر للمساعدة كل بطريقته، فلا تتعجب إذا عرض عليك أحدهم استخدام سيارته الخاصة لإيصال مرافقيك (الأهل) ومن ثم العودة حيث تعطلت بك السيارة والبحث عن حل، والبعض لا يبالي بتأخير وصوله إلى البيت بضعة دقائق بعد يوم عمل شاق أو إلغاء، أو التأخير عن الحضور إلى موعد غير ضروري أو يمكن تأجيله في سبيل تقديم المساعدة للآخرين.
يتداول الناس رسالة عبر مجموعات "الواتساب" أو مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أن فلانًا من الناس يمر بمعضلة فيتعاطف معه الناس بالدعاء وتسهيل الفرج، والبعض يذهب أبعد من ذلك كل حسب مقدرته وإمكانياته، وفي رسالة أخرى أن شخصًا يرقد في المستشفى وبحاجة لعشرة متبرعين، وفي غضون دقائق معدودة تصل الأفواج من مختلف مناطق قطيفنا الحبيبة ملبيةً لنداء العلي القدير (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ليصدر بعدها بنك الدم بيانًا مفاده "أنه ولله الحمد تم الاكتفاء".
كثيرةً هي القصص التي تم نشرها على صفحات «القطيف اليوم» عن متبرعين بالأعضاء لمحتاجين من خارج نطاق الأسرة والصداقة، بل تصل في بعض الأحيان إلى عدم وجود أي معرفة مسبقة بين المُتبرع والمريض! كل ما في الموضوع سمع أحدهم عن حاجة مريض فأراد -جزاه الله خير الجزاء- أن يبادر ويقوم بعمل إنساني نبيل لوجه الله تعالى، وأن ينهي معاناة عائلة أنهكتها زيارة أروقة المستشفيات.
كثيرة هي القصص والمواقف الإيجابية التي يسطرها ويكتبها أبناء المجتمع، من أفراد ولجان أهلية تطوعية وجمعيات خيرية بشكل مستمر، لتجهض ما يروج له بعض المتشائمين وأنصار السلبية أن "الناس ما فيهم خير" وإن شاء الله أنهم قلة في مجتمعنا! نعم لسنا في مجتمع ملائكي ومثالي خالٍ من السلبيات والأخطاء، فالمواقف والقصص والتجارب غير الناجحة مع الناس كثيرة، ويمكن أن تتكرر ليعيد الزمن نفسه، من المفترض أن تساعدنا تجاربنا الشخصية لاكتساب الخبرة والنضوج أكثر، لكن من غير المنطقي أن تواصل حياتك وتكون أسيرًا للإحباط، وتضع الحواجز بينك وبين الآخرين، وتتخذ قراراتك وتتعامل مع تلك المواقف غير الموفقة على أنها قاعدة لا تحتمل الخطأ! فالماضي تجربة انتهت، ويجب الاستفادة من مخرجاتها بالمحافظة على نقاط القوة في المواقف المتشابهة، وتدارك الأخطاء لتجنب تكرار الإخفاقات! كما أن الناس ليسوا سواسية ولكل موقف ظروف ومعطيات مختلفة.
التعامل مع الآخرين بالطريقة التي تُحب أن تُعامل بها هي من أساسيات التعامل مع الآخرين، في بعض الأحيان يكون البرود في ردود الأفعال على تصرفات الآخرين وعدم التفاعل، هو تصرف طبيعي ناتج عن تراكمات ومواقف سابقة، للأسف البعض -الله يهديهم ويهدينا- يسيء في كثيرٍ من الأحيان لأفراد مجتمعه وجيرانه، متجاهلًا أبسط مبادئ وقيم التعامل، وفي المقابل يتوقع منهم دائمًا التعامل بالحسنى ووقفة صادقة في وقت الأزمات والمواقف الصعبة، وأن تكون ردود أفعالهم إيجابية تتماشى مع تطلعاته ومزاجه.
على العقلاء عدم الانجراف والنزول لمستويات لا تليق بتربيتهم وأخلاقياتهم وثقافتهم، كما أن التعامل بالمثل في بعض المواقف ليس تصرفًا صحيًا وسليمًا لبناء مجتمع متحاب ومترابط، ولكن التغاضي عن التوافه على المستوى الفردي أو الجماعي هو أمر مطلوب يُساعد على تآلف القلوب وبناء علاقات إنسانية طيبة وتقوية أواصر المحبة، والحفاظ على الود والاحترام وضمان الاستمرارية، كما أن البعض يكون سَقف مطالبهم وتوقعاتهم عاليًا دون النظر والأخذ في عين الاعتبار قدرات وإمكانيات وظروف وصلاحيات الآخرين، وبالتالي يُبرر لنفسه صحة عبارة "الناس ما فيهم خير"!
الاحترام هو حق مشروع للجميع، بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية، أو مستوياتهم العلمية أو الاجتماعية أو الدينية، لكن البعض من الأخيار يحظون بالاحترام الكبير وبمعاملة خاصة واستثنائية في مجتمعاتهم، وذلك احترامًا وعرفانًا لإسهاماتهم، وتقديرًا لما يبذلونه من جهد ووقت ودعم لا محدود في خدمة المجتمع، والعمل على تسوية الخلافات بين الأفراد. أكدت الكثير من الأحاديث الشريفة والروايات عن أهل البيت عليهم السلام على الثواب الجزيل الذي يقابل به الله تعالى في الآخرة من خدم الناس، وقضى حوائجهم، روي عن الإمام علي عليه السلام "خير الناس من نفع الناس".



