12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

دعوة حفل توقيع كتابي.. هل تحضر؟

هل تستغرب لو جاءتك دعوة لحضور توقيع كتاب؟ المؤلف جالس على كرسي فخم، في يده قلم حبر، ماركة مشهورة، يوقع كتابًا فخمًا، حصيلة جهد سنوات،. ثم إذا قرأت الكتاب لم تجد فيه شيئًا يساوي قيمة الورق والحبر والوقت الذي أضعته في تصفحه!

فرق كبير بين كتاب زمان وكتاب اليوم! 

كتب كتابًا!: هو يسميه "كتاب"، أما في الحقيقة فهو قراطيس قليلة، محشورة بين غلافين ضخمين مزخرفين بأجمل الصور والألوان. كتب الكتاب في جو مفعم بالمتعة والراحة وأدوات الكتابة الوافرة والمصادر، يقص ويلصق وينسخ منها ما يشاء ويختار وحرص على أن يكون الخط كبيرًا لكي يملأ الصفحة!

بينما كاتب الأمس يكتب كتبًا في مجلدات ضخمة ذات قيمة راقية، يقضي عمره في الأسفار يبحث عن كتاب واحد يجعله أحد المصادر، يحتار كيف يصنع الحبر وكيف يبري القلم ومن أين يجد قيمة الورق. لا يملك ثمن أدوات الكتابة ولا الكتب إلا أن يجوع نفسه، ثم النتيجة ليس كتابًا يتيمًا وإنما كتب يتيمة في الدهر والزمان، لا نظير لها، يعرفها كل قارئ وباحث بعد قرون طويلة.

لو تطلع، أخي الكريم وأختي الكريمة، على حكايات المشقات والمخاطر والمغامرات التي اضطر بعض الكتاب والعلماء القدامى للقيام بها أثناء كتابة كتبهم النفيسة والمدة الزمنية التي يقضيها العالم والكاتب في إنجاز كتاب واحد سوف يصيبك الذهول! من أين يأتي الصبر؟ من أين يأتي الشغف بالعلم والثقافة؟ كيف يحرم إنسان نفسه من متع الحياة ويهلك جسده في العلم؟

هذا هو الفرق بين كتاب اليوم وكتاب الأمس بتشديد التاء، لا يعني أنه ليس بين كتاب اليوم من هم مبدعون في فنون الكتابة والرأي والثقافة، لكن لا تقاس ظروف الكتابة والثقافة في زماننا بالماضي، لا من قريب ولا من بعيد!

سمة سيئة تمنع الإنسان من الإبداع وهي العجلة وقلة الصبر. ثم سمة أخرى ألا وهي الانخداع بالمظهر فإذا رأى كتابًا حكم عليه من مظهره وعدد صفحاته دون أن يغوص في أعماق الكتاب ويرى ماذا في القاع؟ حجارة أم جواهر ودرر؟

في الخلاصة، أظن أن العلم والفكر نور وعبادة يحتاج إلى أناة وصبر وإخلاص، إذا رأى الله سبحانه وتعالى الرغبة والإخلاص قذفه في قلب من يختار! ليس كل ما يلمع ذهب، اقرأ الكتاب قبل أن تعطي حكمًا قاطعًا وعادلًا!

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ
أبو الطيب المتنبي -

تبحث عن الغذاء والكساء والمأوى الجيد؟ لا بأس أن تبحث عن الكتاب الجيد الذي لا يسيء إلى فكرك ولا إلى عقيدتك وإلا فالكتب كثيرة ونافعة. أما الكتاب السيء فلا تتوقع منه جليسًا مفيدًا ولا حديثًا مفهومًا.


error: المحتوي محمي