في نظري القاصر؛ ينبغي للعالم في الطب، أو العلوم الطبيعية، أو العلوم الإنسانية، أو العلوم الدينية، وغيرها إظهار ذلك العلم ونشره وتعميمه حتى يستفيد الناس منه، وأما اختزاله في النفس أو اقتصاره على فئة معينة تحيط بالعالم؛ فهو بخل مذموم، وقد ورد في الأثر: زكاة العلم نشرُه.
كما أن قيمة العلماء في كل التخصصات مناطة بما قدّموه للبشرية من عطاء، لا بما حملوا أو قدّموا لأنفسهم.
ولهذا نجد كل الأنبياء والأئمة المعصومين -عليهم السلام- ينشرون العلوم والمعارف والقراءات لعقود من الزمن دون كلل أو تعب، وبعضهم لمئات السنين. إن غايتهم من ذلك هي رفع الجهل عن الناس جميعًا بكل السبل، ونقلهم من الظلمات إلى النور، وما اقتصرت أدوارهم -أبدًا- على أسرهم، ولا على تلاميذهم؛ وإنما كانوا كنجوم السماء للحياة وفي الحياة حيث يحل النور بحلولهم؛ وبمعنى آخر: كانت رسالة الأنبياء هي نشر العلم، وتنوير العقول والأرواح، والأخذ بأيدي الناس نحو الجنة.
ولهذا؛ لا أرى مبررًا مقبولًا للعلماء المعاصرين -بكل تخصصاتهم- لانطوائهم على أنفسهم، أو انعزالهم عن مجتمعاتهم؛ فالناس هم الناس قديمًا أو حديثًا، والحسن والقبح في البشرية ممتد بامتداد الوجود، والواجبات السماوية ليست مقتصرة على زمن، أو مكان، أو ظرف، أو رؤية خاصة.
ما عهدنا من نبي مرسل، ولا إمام معصوم، ولا وصي نبي أنه يجلس في بيته ليطرق الناس بابه؛ وإنما كانوا يتسابقون لدور العبادة، وللأماكن العامة والخاصة، وللأسواق وغيرها لنشر علومهم ومعارفهم ورسالتهم امتثالًا لأمر السماء.
إن قراءة سير الأنبياء وسير الأئمة -عليهم السلام- كفيلة بإزالة اللبس -مباشرة- عند المشتبهين وعند أهل العزلة والانطواء، وكتب التاريخ والسيرة ملء الخافقين.
هناك ظروف نوعية وخاصة تحتّم على بعض العلماء عدم الخروج من منازلهم حفاظًا على سلامتهم، وسلامة أهاليهم، وتغليبًا للمصلحة العامة للدين ورسالته، ودرءًا للفتنة كما هو واقع الحال مع المرجع الديني العظيم آية الله السيد السيستاني أعلى الله مقامه، وكذلك لمن يعيشون بظروف مشابهة لظرفه، وهؤلاء ونظراؤهم ليسوا معنيين بالمقال بحال، وإنما هؤلاء هم قناديل الله بين عباده؛ علمًا بأن هؤلاء يجودون بكل معارفهم وعلومهم صباح مساء، وبكل السبل بطرق غير مباشرة، ولكنها فاعلة ومؤثرة وعظيمة، وهم في منازلهم. منازل هؤلاء العلماء هي مآذن يراها البشر الملائكيون فحسب.
كثيرٌ من علماء الطب، والفلك، والعلوم الطبيعية، والعلوم الدينية قدّموا للإنسانية معارف تجعل الإنسانية تنحني إجلالًا لها، ثم نشروها فارتقوا بجودة الحياة للناس، وكثيرٌ من المراجع قدّموا للإنسانية مناهج في الأخلاق والسلوك والتربية وتزكية النفس أصبحت مدادًا من نور في كل أسرة، وكثيرٌ من الأدباء أثروا الساحة الثقافية شعرًا ونثرًا ورواية وأدبًا، ووسعوا فضاءات العقول، وفتحوا قنوات التفكير والخيال. إن الواقع الحقيقي لهؤلاء هو أنهم سفراء للإنسانية ورسل خير ورحمة وسلام. بهؤلاء ونظراؤهم ترتقي الأمم، ويعم العلم، وتنتشر الفضيلة والسلم، وتسود المحبة. هؤلاء هم الصفوة التي ترفع لها البشرية ألوية الحب والفخر والاعتزاز. هؤلاء هم سفراء الأنبياء.
نحن بحاجة لهؤلاء العلماء المبادرين والمشاركين والعاملين والناشرين لمعارفهم وعلومهم أسوة بالأئمة والأنبياء والمرسلين.
حدثني أحد الأطباء أن بينهم طبيبًا يحمل فكرًا نوعيًا، وعلومًا ومعارف تحتاجها الناس، غير أنه بخيل بها. هذا النوع من الناس يحسب نفسه الكعبة تؤتى ولا تأتي، وإذا وفدوا عليه لسؤاله قطّر عليهم المعلومات بالحدود الدنيا فحسب.
أرى أن هذا وأشباهه، وحتى الذين يجودون بما لديهم -شريطة أن تقصدهم الناس لبيوتهم دون عذر- بحاجة إلى إعادة التفكير والتأمل.
في بعض المجتمعات العربية في أفريقيا سادت علوم الشعوذة وعلوم الأبراج ونظراؤها على العلوم والمعارف العلمية، وأصبح الهوس بالتطاير أكثر من الإيمان بالدين، والعلة في ذلك هو عدم تصدي العلماء بكل تخصصاتهم العملية لهؤلاء الدجالين وتركهم يصولون ويجولون دون حسيب أو رقيب، كما أن انتشار هوس الشهرة بين العلماء المزيفين ساهم في تضارب العلوم الحديثة وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فكم رأينا وسمعنا عن أطباء أمضوا عقودًا في الطب يصولون ويجولون ثم شاءت الأقدار أن تبلغنا بأنهم بلا شهادات علمية أصلًا، وكم من روحانيين استغلوا بساطة المجتمعات، وفقر المرأة ومارسوا الشعوذة والسحر وهم جاهلون حتى بتلاوة القرآن الكريم تلاوة صحيحة، فضلًا عن فهم دلالاته وتأويلاته.
المجتمع المثقف الواعي -عادة- يكون مجتمعًا موضوعيًا في قناعاته، منصفًا في تقييمه، صادقًا في قراءاته، أمينًا في نقده أو انتقاده حتى وإن كان مستهدفًا من بعض البسطاء أو الجهلاء أو المتربصين به.
وعليه؛ يرى هؤلاء المثقفون أن قيمة العالم بما قدّمه للناس من علوم ومعارف وقراءات، وما جسّده واقعه من سلوك، وما تركه من أثر، وما سطره من حروف، وما طبّقه من أخلاق بين الناس، وإلا فلا جدوى من تكريمه أو تعظيمه أو تقديمه مهما علا.
بعض الأطباء وبعض أساتذة الجامعات لم يقدموا للبشرية العامة شيئًا يذكر، سوى ما يقدمونه في حلقات دروسهم لإثبات الذات والرزق فحسب، وعليه؛ لا منفعة منهم تستوجب تمييزهم أو تقديمهم على عامة الناس.
هناك شرائح -مهملة- من المجتمع تستحق أن تكون قلائد من نور تعلق على الأعناق؛ لما قدمته للناس من خدمات مختلفة وفي شتى جوانب الحياة، حتى وإن لم تحظ بشهادات علمية مميزة؛ لأنهم قدّموا كل ما يملكون دون قيد أو شرط، ولم يطلبوا يومًا تمييزًا أو تقديرًا أو مدحًا من أحد. هؤلاء هم العلماء حقًا وإن لم يرتدوا بردة العلماء ولم يحصلوا على شهاداتهم.
هؤلاء وسفراء الأنبياء هم من يجب تقديمهم، وتكريمهم، وتخليدهم فحسب.



