12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من مذكِّراتي 3.. تداخل المشاعر مع الأنساب «زوجة الأب»

خلال تجربتي الصحفية، اعتدت أن يكون لخبر الوفاة أكثر من وجه، ليس مجرد إعلان عابر، بل حكاية تُروى في سطور قصيرة، تختزل حياة إنسان، وتكشف ما هو أعمق من الأسماء والألقاب، ومن بين مئات القصص، لا تزال هذه القصة عالقة في ذاكرتي، لا لأنها الأغرب، بل لأنها الأبسط في ظاهرها، والأعقد في مشاعرها.

قبل أشهر أو نحو عام، توفيت امرأة مسنَّة من مدينة صفوى بمحافظة القطيف، أرسل أحد الأصدقاء رقمًا للتواصل مع ذويها، وقال إنهم يرغبون في التنسيق معنا حول بيانات الوفاة المنشورة عبر «القطيف اليوم»، وتم التواصل من قبل الصحيفة مع الرقم، وجرى خلال ذلك تزويدنا بالتفاصيل المطلوبة، وبينها أسماء الأبناء، ووقت التشييع، وأماكن العزاء، زُوِّدنا بكل البيانات التي دُوِّنت ونُشِرت، وانتهى الأمر كما هو معتاد.

بعد ساعات، وردني اتصال من الشخص نفسه الذي زوَّدني بالرقم في البداية، قال لي بنبرة حريصة: «يا سيد ماجد، ترى فيه خطأ، مو كل الأسماء اللي نشرتوها هم أبناء الفقيدة».

سألته باستغراب: «بس هذه الأسماء من ابنها نفسه».

قال لي: «هو ابن زوجها، والمتوفاة زوجة والده، مو أمه».

من هنا بدأت ملامح القصة تتغير، فبادرت بالاتصال بالرجل بنفسي، وكرَّرت له تقديم الصحيفة واجب العزاء، ثم سألت بتحفُّظ: «رحمها الله، هي الوالدة، أم زوجة الوالد».

ردَّ بلهجة مفعمة بالانفعال: «هذه والدتنا، اللي ربّتنا وكبّرتنا، لا نقبل أحد يفرّق بينّا، وهي أمّنا أمام الله والناس».

هنا، انكشفت لي قصة أخرى داخل القصة، رغم أنها ليست والدته التي أنجبته، فإن المرأة ربَّت أبناء زوجها كما لو كانوا أبناءها تمامًا، واحتضنتهم دون تمييز، فبادلوها المحبة والولاء، ورفضوا التفريق بينها وبين الأم التي أنجبتهم.

كان الأمر أكثر من موقف عابر، كان وفاءً خالصًا لعلاقة إنسانية صادقة، لا توثِّقها شهادات الميلاد، بل تصنعها العشرة والمواقف.

وهنا تجلَّت لي زاوية أخرى من القصة، لم تكن فقط قصة أمٍّ ربَّت، ولا أبناء أوفياء، بل كانت أيضًا صورة من صور البرِّ بالأب نفسه.

هؤلاء الأبناء -أبناء الزوج- لم يكن تصرُّفهم تعاطفًا عابرًا، بل موقفًا أخلاقيًا متجذرًا، وهو أن من برَّ الأب، برَّ أهله، وأكرم زوجته، وحفظ علاقتها به حتى بعد الرحيل.

لقد اختاروا الوفاء لامرأة شاركت أباهم العمر، وشاركتهم طفولتهم، وكانوا يرون فيها سندًا، لا مجرد صفة اجتماعية «زوجة الأب».

ووسط هذه المشاعر المتداخلة، لم يكن ذاك الرجل الذي اتصلنا به في البداية مجرد ناقل معلومة، بل كان يعيش الموقف بكل ثقله العاطفي، حتى إنه لم يجد في نفسه الجرأة على أن يكون طرفًا في نعيٍ يُفرِّق بين إخوة وأمٍّ عدوها منهم وفيهم. 

كانت كلماته المرتبكة، وصوته المتردد، يقولان أكثر مما تُفصح عنه عباراته، بدا وكأنه يعتذر عن دور لم يختره، دور يفرض عليه أن يشرح ما لا يمكن شرحه، وأن يضع خطوطًا فاصلة في علاقة لم تعرف في يومٍ حدودًا أو فوارق.

وفي العلاقة بين الإخوة غير الأشقاء، لم يكن ثمَّة حواجز، بل مشاعر أخوَّة صادقة، تتجاوز الألقاب، إنها مشاهد تُدرَّس، لا تُكتب فقط، مشاهد تُخبرنا أن الأسرة ليست فقط بنية دم ونسب، بل أيضًا بنية تربية، ومواقف، وضمير حيٍّ.

رغم ذلك، كان لا بدَّ من مراعاة الجانب المهني، قلت له بهدوء: «لك أمٌّ أنجبتك، ولها حق، كما أن للراحلة حق التربية والفضل، سنضع الأسماء في مكانها الصحيح، دون أن ننفي أو نُقصي أحدًا».

غضب مني، وقال: «لا أستطيع أن أفرِّق بيني وبين إخواني من أجل خبر نعي، هذا ما عندي، وإذا كان يخالف توجهاتكم احذف الخبر»، ثم أنهى المكالمة. 

بعدها تواصل معنا آخرون من ذوي الفقيدة، كانوا أكثر تفهُّمًا، ووافقوا على صيغة تراعي مشاعر الجميع دون أن تُخِلَّ بالحقيقة.

في النهاية، صُغْنا الخبر بلغة تحفظ التوازن، فرَّقنا بين الأبناء في النعي، لا في القلوب، وأعطينا كل طرف حقه، واحترمنا مشاعر الجميع، كانت قصة صغيرة، لكنها مليئة بالدروس…


error: المحتوي محمي