مكبّلًا بالحزن، غارقًا في الألم، أذرف الدمع حسرات على رحيل والدتي التي غادرت دنيانا الفانية يوم 25 رمضان، وبينما أتلو الفاتحة على قبرها قبل بضعة أيام برفقة زوجتي، نهضتُ أتبعها وهي تفتش بين القبور عن منازل أعزّائها الذين رحلوا، وخلّفوا في قلبها أوجاعًا.
صدفة التقت مع الأخت أفراح أبو عبدالله، أحضان وقبلات بينهن، وكل واحدة تخاطب الأخرى: (أهلًا بنت خالتي) – قرابة نسب بين الأمهات – بعد التحيات والسلامات، بدوري سألتها عن أبيها الأستاذ جعفر، وأخيها الأستاذ موسى، أجابتني: كلهم الحمد لله بخير، ثم تنحيت جانبا اتأمل امتدادات القبور واخبرتني زوجتي بأن وجه بنت خالتها ارتسم عليه الأسى، وصوتها يشوبه التوجع، وكأنها تشتكي من مرض ما. ظنت بأن أجواء المقبرة منعكسة على محيّاها، حيث لا يدعو المكان إلا لتقبيط الجبين، وإرسال التنهدات، وأخذ العبرة والعظة. وإذا بها تخبرها بصوتها المتؤه:
(الله يكون في عون عمي أبو عادل، يرقد في العناية المركزة، غائب عن الوعي منذ أيام)!
دعوات قلبية له بالشفاء العاجل، عند مغيب الشمس بدأت المقبرة تخلو شيئًا فشيئًا من مرتاديها، إلا من سكّانها الدائمين، تبتّل عند الشفق (الدوام والحكم لله).
عند المساء، أتأمل صورتي المُرسلة عبر الواتساب من الأخ حسين الجيراني، فأجبته حالًا بكلمات سريعة: (أهلًا أبو يونس، أيام مضت، أيام الشباب، تلك أجمل السنوات من 1982–1992م في رحاب جامعة الإمام مسلم بسنابس، والصحب الجميل مع ثلة من مدرسي البلد، منهم من شاخ وهرم، ومنهم من قضى نحبه)، عقب بكلمات قلبية يدعو لي بطول العمر.
أترجّح بين الحزن العميق واللّا حزن، والحالة الأولى هي السائدة أغلب الوقت، يحاول المقرّبون مني من أهل وأصحاب إخراجي مما أنا فيه، وبينما أتعافى بعض الشيء من وضعي النفسي المتقلب، إلا ويأتيني خبر يُغرقني في الحزن حدّ الثمالة على رحيل إنسان عظيم في نظري، ومفاد الخبر الموجع الذي استقبلته ظهر أمس: (الحاج المعلّم عبدالله يوسف محمد أبو عبدالله في ذمة الله).
أغمضت عيني، أدعك رأسي أسى، وصور أبو عادل تتتابع في المخيلة، وبوخزة ضمير لفترة طويلة لم أزره، ولم أتمكن حتى من حضور تشييعه.
اليوم رحلت يا أبا عادل، وتركت في نفوس كل من عرفك ذكريات شتى ومواقف عدة، ماذا أقول عن إنسان أعتبره جزءًا من مسيرتي الوظيفية، والأخوية، والودية، وحتى الفنية.
يتشعّب الكلام، وتتفرّع الشروحات عن سنين حافلة بالعطاء والإنجاز. تعود بي الذكرى مع مطلع بداية العام الدراسي 1979م، حيث كلّفني الجار العزيز الأستاذ علي المضحي بكتابة لوحة خشبية لتأسيس مدرسة جديدة. أتممت اللوحة بخط الرقعة، وعلّقت على باب مبنى مستأجر يتكون من دورين بعنوان:
(مدرسة الإمام مسلم الابتدائية بسنابس – تأسست عام 1399هـ)
حينها وصلتني تحيات وشكر من مدير المدرسة عبدالله يوسف أبو عبدالله، بالثناء على ما صنعت. وقتئذ لم أكن أعرفه ولم ألتقِ به شخصيًّا، وتشاء الصدف بعد تخرّجي من معهد المعلمين للتربية الفنية بالرياض عام 1982م، نهاية عام 1402هـ في شهر ذي القعدة، أن أُباشر عملي في ذات المدرسة التي خططت أول لوحة للتعريف بها!
كان للأستاذ علي المضحي الدور الأكبر في توجيهي نحو المدرسة الجديدة، وحين أقول الجديدة فلأن في سنابس توجد مدرستان ابتدائيتان أسبق بكثير من تأسيسها، وهما عمار بن ياسر وبلال بن رباح. وقبل استلام خطاب مباشرتي للعمل، سعى الأستاذ عبدالله يوسف بكل ما أوتي من قوة عند إدارة التعليم لإقناع المسؤولين، وكسب ودي، وعدم ذهابي لمدرسة ابن الأرقم بدارين. أمنية تحققت له، وزعل مني آخرون. تصافينا، لكن بعد طول عتاب.
عشر سنوات أمضيتها تحت إدارة إنسان يعتبرني كأني ابنه، أو أخاه الأصغر، أو أحد أقاربه، عاملني بمحبة فائقة، بل المعلم المدلل، نظرًا لقدرتي على تزيين المدرسة بالوسائل التعليمية الشبه دائمة.
بالنسبة لي، أعتبر ذلك أوج نشاطي، حيث نفّذت لوحات كبيرة للجهاز البولي والجهاز الهضمي، وشجرة اللغة العربية والرياضيات، وكلها صناديق مضيئة بالأنوار، مكلفة في الجهد والمال والوقت . بالإضافة إلى تجديد لوحات عنوان المدرسة بين وقت وآخر، وأبرز كل الاشتغالات وسيلتي الأذن والقلب، وهما للوحات الفنية أقرب.
فضلًا عن تصميم وكتابة الجدول المدرسي، والصحف الحائطية، وكذا وسائل العمل للرحلات المدرسية، وتوزيع هدايا للمؤسسات الأهلية، وهي عبارة عن قطع بلاستيكية مكتوبة بخط الثلث لبعض الحكم والآيات.
بهكذا إنجاز، وضعني مدير المدرسة بمعاملة خاصة، وأقولها صادقًا: يتجاوز عني ولا يسامح الغير. على سبيل المثال لا الحصر: إذا كان الدوام الشتوي أو الصيفي مبكرًا أو متأخرًا، أحضر بعد نصف ساعة على بدء الدوام، ويترك دفتر الحضور ولا يغلقه إلا بعد أن أوقّع، ويكون اسمي آخر الأسماء. حالات استثنائية إذا أتى أحد المشرفين التربويين مبكرًا، حين يلحظه قادمًا يضع الخط ويوقّع منعًا للإحراج وفي العادة يخلو جدولي من الحصة الأولى .
ذات مرة ذهب وقت الفسحة وأنا أتناول فطوري في بوفيه بجوار المدرسة، وقال لي وهو على عجل: (ترى موجّه التربية الفنية إبراهيم حمودة ينتظرك في الإدارة، إذا ما تبي تقابله على راحتك)!
وأتذكر غبت عن المدرسة مرتين أو ثلاث، وربما أكثر، نتيجة السهر المفرط، يأتي لبيتنا ويطرق الباب، وتناديه أمي، فيأمرها بإيقاظي حالًا من النوم، فيأخذني بسيارته معللًا بغياب أكثر من مدرس. لا يوبّخني، بل يخاطبني بود واحترام وتقدير.
هذا يدل على وعيه في كيفية التعامل مع المدرسين وكيف يكسب ودهم نتيجة خبرته الطويلة خصوصا تجاه شاب حديث التخرج لم يعي بعد قيمة المسؤولية ،
اذ لم يتجاوز عمري الثالثة والعشرون ، وايضا يدرك بأن وسائل الايضاح اشتغلتها من وقتي الخاص خارج الدوام المدرسي واحضر للمدرسة عصرا ، فتعويضا على ذلك يتساهل معي بشكل خاص لابشكل عام ، شديد على بقية المدرسين في انضباط الوقت .
الأستاذ عبدالله يوسف هو اللقب الذي عُرف به عند المدرسين والطلبة، لديه ثقة تامة في تنفيذ أي وسيلة تخدم المدرسة مهما كانت التكلفة المادية، وسعي حثيث في كسب المؤسسات الأهلية لعمل كراسي وطاولات للفصول، وقد لعبت مؤسستا حبيب العسكري وأبو بليغ اليوسف الدور الأكبر في ذلك.
حين أشرت على أبي عادل بتوفير غرفة خاصة للتربية الفنية لم يتوانَ في توفير ذلك، تم بناؤها فوق سطح المدرسة من (الشينكو والخشب) مع مكتبة للمطالعة.
عبدالله يوسف كان توّاقًا لجعل مدرسة الإمام مسلم مميزة علميًّا، وطلبتها من أحسن الطلبة، بأسلوبه الحسن وفطنته اللماحة في استجلاب خيرة المدرسين في كل مادة، سواء الإخوة العرب أو السعوديين، وبالأخص أبناء المنطقة، مما انعكس في جودة المخرجات.
بالمقابل، أي مدرس لا يُقنع بعطائه ينقله بالتي هي أحسن لمدرسة أخرى، وكم حزن حين تم نقلي بدعوى تدوير حركة المدرسين حسب مقتضيات الحاجة لمدارس أكبر تعاني من نقص المتخصصين. جاهد واستمات لإبقائي لكن دون جدوى، وبعد سنوات أتى الدور عليه، وتم نقله مجبرًا لمدرسة الأنصار في تاروت، وفيها قضى بضع سنين إلى أن أُحيل للتقاعد بعد بلوغه السن القانوني. وقبل المدرستين المذكورتين، كان مديرًا لمدرسة عمر بن عبدالعزيز برحيمة نهاية الستينيات الميلادية.
عبدالله يوسف، ببنيته الضعيفة وطوله الفارع، كان الساعد الأيمن للطلبة الضعفاء، يمدهم ماديًّا ومعنويًّا ودراسيًّا، وهو الأدرى بالعوائل المتعففة. عطوفًا على الطلبة، وإن صدرت منه بعض الغلظة، لكنها في محلها، تمامًا مثل حرص الأب على أبنائه، خوفًا على مستقبلهم، يريدهم متفوقين، منضبطين، ومواطنين صالحين للبلد وخدمة المجتمع.
وبالفعل، خرجت مدرسة الإمام مسلم على عهده خيرة الطلبة المتميزين، والدليل على ذلك شهادة من أحد طلابها، وهو المعلّق الرياضي زهير الضامن، قال صباح يوم تشييعه لمثواه الأخير:
(وداعًا أبا عادل، الرحمة والمغفرة للمربي الفاضل الأستاذ عبدالله يوسف أبو عادل الذي أخلص في عمله، في جعل مدرسة الإمام مسلم من أفضل المدارس في الانضباط وتخريج الكفاءات. فكان وما زال نموذجًا للمدير الحريص كل الحرص على الطلاب، يُظهر الشدة والقسوة، ويُخفي نهرًا من الحب الكبير، خصوصًا لأبناء الفقراء، يتمنى لهم الاستمرار في الدراسة لكي يصنعوا مستقبلهم. من صفاته التي تفرد بها علاقته مع كل آباء وأمهات الطلاب، وكونه من سنابس، كان يعرف كل العوائل والأسر وأحوالهم المادية، وكان يهتم بتوفير الملابس للطلاب ذوي الدخل المحدود، فكان يقدمها على أساس أنها جائزة حصل عليها الطلاب من خلال مشاركاتهم في النشاط المدرسي، يعطينا كروتًا نذهب بها إلى الخياط لتفصيل ثوبين لكل طالب، وكانت هذه مع بداية كل سنة دراسية. ولا أنسى أيضًا الرحلات التي كان يقيمها للمدرسة سنويًّا، وخصوصًا رحلة الأحساء وجبل قارة. هذا قليل من سيرته العطرة، كان يتمنى أن يرى كل طلابه متفوقين ومميزين. ومن الأشياء التي أتذكرها: عندما تخرجنا واستلمنا الملفات من المدرسة لنذهب بها إلى متوسطة سنابس، قال لنا وكيل المدرسة آنذاك، الأستاذ والمربي الفاضل عبد الرؤوف الرويعي: طلاب مدرسة الإمام مسلم يقفوا هنا، وطلاب مدرسة بلال بن رباح يقفوا هنا. استلم ملفات الإمام مسلم أولًا. دارت الأيام، وفي إحدى الحصص دخل علينا لعدم وجود مدرس، وبعد الانتهاء من إعطائنا درسًا في مادة الرياضيات، قال: من لديه سؤال؟ فسأله أحد الطلاب: لماذا اخترت طلاب مدرسة الإمام مسلم أولًا؟ فقال: من خلال عملي في مدرسة سنابس المتوسطة، عرفت أن طلاب الإمام مسلم دائمًا متميزون ومتفوقون، وهذا بفضل مدير المدرسة وكافة المدرسين).
الحديث طويل عن هذه الشخصية التي أعطت الكثير لبناء الإنسان.
رحم الله المربي الفاضل الأستاذ عبدالله يوسف أبو عبدالله، رحمة الأبرار، وحشره الله مع النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين.
والصبر والسلوان لعائلة أبو عبدالله الكرام في فقيدهم الغالي.
ستبقى ذكراه خالدة في قلوب طلابه.)
هذا غيض من فيض، فغالبية الطلاب الذين درستهم وأقابلهم بين وقت وآخر، يفخرون به معلمًا ومربيًا ومديرًا، وثمة حنين لديهم عن أيام المدرسة في عهده، وربما لا يعرف بعض طلابه بأنه كان قائدًا كشفيًا. هذا ما قاله الأخ سعيد آل طلاق، المنخرط في الكشافة منذ صغره، ويعرف القادة على مستوى المملكة، حيث يقول:
(اليوم الخميس ١٧ أبريل ٢٠٢٥، نودّع القائد الكشفي الأستاذ عبدالله يوسف أبو عبدالله (أبو عادل) رحمه الله، أحد رواد الحركة الكشفية بالمنطقة الشرقية. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون).
وعودة للأيام الخوالي في عهد الصبا، كان عبدالله يوسف حارس مرمى لفريق الهلال (النور حاليًا)، وامتهن التحكيم في أوقات الفراغ وهو مدير لمدرسة الإمام مسلم لموسمين رياضيين، وترك التحكيم، وسألته: لماذا تركت ولم تستمر؟ أجابني: (من كثرة اللعن والشتم من بعض اللاعبين المتعصبين، تركت هالشغلة اللي ما فيها إلا وجع الرأس).
عرفت أبا عادل محبًّا للمنتخب السعودي، ويزعل جدًا عند الهزيمة، ويفرح جدًا في حالات الفوز، بل دعا لوليمة جامعة باسم مدارس الجزيرة لغداء أُقيم في صالة عمار بن ياسر بسنابس، بمناسبة فوز المنتخب السعودي بكأس آسيا لأول مرة سنة 1984م.
أبو عادل شخصية مركّبة، ينطبق عليه وصف أغنية: (جد ولعب وضحك وحب)، جاد بشدة في إدارة المدرسة، مخلص لأبعد حد، وفي المساء تراه شخصًا آخر، يسهر مع المدرسين في لعب الورق، وهات يا ضحك وسوالف.
يتبسط كثيرًا مع الصغير والكبير، في المحلات والشارع، حتى لتشعر بأنه ليس مدير مدرسة، بل شخص من “أهل الله”، متواضع، أريحي الجانب، يخاطب الكل دون تكلّف، ولا يرسم هالة على نفسه بأنه مدير مدرسة يجب أن يُقف له التبجيل.
كم كسب قلوب الأهالي وأولياء الأمور، حيث جعل من الإدارة أشبه بديوانية، يأتي إليها الآباء والأجداد ليطمئنوا على أولادهم وأحفادهم. كاتب السطور وثّق بعض كبار السن الذين كانوا يتوافدون إلى المدرسة بتصويرهم في أوقات مختلفة من الأعوام الدراسية، وغالبيتهم انتقلوا إلى رحمة الله.
واللافت عند أبي عادل: يجمع المدرسين بمناسبة أو غير مناسبة على وجبة غداء في رحاب المدرسة، بهدف الألفة وإشاعة المحبة بين الكادر التدريسي، يوزّع هدايا التكريم على المدرسين، وكذا الطلبة المتفوقين، ويُجزل الهدايا للمعلمين العرب قبل سفرهم لأوطانهم عند انتهاء العام الدراسي.
وقبل انتقالي من رحاب مدرسة الإمام مسلم، كرّمني بحفل مبسّط عام 1412هـ، وحضر حفل تقاعدي عام 1440هـ، طبع قبلات على خدي تقديرًا وامتنانًا لشخص يعتبره كبيرًا في نظره. فرح أيّما فرح، مبتهجًا، يرسل الضحكات أثناء تناول الغداء، والصالة ترنّ من قفشاته ومداعباته وقهقهاته. حينها غالبت دمعي، وقلت في خاطري: عبدالله يوسف أعطى خلاصة عمره في التدريس، وهو يُعتبر من الدفعات الأولى للمدرّسين في جزيرة تاروت، خدم الطلاب، وبثّ فيهم روح الكفاح وتحقيق النجاح. تراه يفخر بالدكتور، والمعلم، والمهندس، هذا وذاك، بأنهم خريجو جامعة الإمام مسلم. دعم نادي النور، وأحبّ الجميع، وكرّم كثيرًا من المعلمين، ومع شديد الأسف، حين تقاعد لم يُكرّمه أحد!!
تحية لمحياك الذي غاب عنّا هذا اليوم، وسلام على روحك الشفيفة، يا عميد سنابس.
قرأت الفاتحة عصر هذا اليوم على قبر أمي، وقلت لها في قلبي: “يا يمّه، تذكري من طرق باب بيتنا قبل 44 عامًا، وهو يقول لك: (صبحك الله بالخير يا أم عبد العظيم، يا مرحومة الوالدين، جلسي عظيم من النوم، أبغاه يروح المدرسة). اليوم جاورك بسبعة قبور، هل حييتيه مثل أول مرة سمعتي صوته؟ غاب صوت أمي عني، وغاب صوت أول مدير لي في حياتي المهنية، يحبني حبًّا أخويًّا خالصًا، أفخر بجلال قدره مثل وسام معلّق على صدري.
سلام على أرواحكم، أيها الراحلون.
صدفة التقت مع الأخت أفراح أبو عبدالله، أحضان وقبلات بينهن، وكل واحدة تخاطب الأخرى: (أهلًا بنت خالتي) – قرابة نسب بين الأمهات – بعد التحيات والسلامات، بدوري سألتها عن أبيها الأستاذ جعفر، وأخيها الأستاذ موسى، أجابتني: كلهم الحمد لله بخير، ثم تنحيت جانبا اتأمل امتدادات القبور واخبرتني زوجتي بأن وجه بنت خالتها ارتسم عليه الأسى، وصوتها يشوبه التوجع، وكأنها تشتكي من مرض ما. ظنت بأن أجواء المقبرة منعكسة على محيّاها، حيث لا يدعو المكان إلا لتقبيط الجبين، وإرسال التنهدات، وأخذ العبرة والعظة. وإذا بها تخبرها بصوتها المتؤه:
(الله يكون في عون عمي أبو عادل، يرقد في العناية المركزة، غائب عن الوعي منذ أيام)!
دعوات قلبية له بالشفاء العاجل، عند مغيب الشمس بدأت المقبرة تخلو شيئًا فشيئًا من مرتاديها، إلا من سكّانها الدائمين، تبتّل عند الشفق (الدوام والحكم لله).
عند المساء، أتأمل صورتي المُرسلة عبر الواتساب من الأخ حسين الجيراني، فأجبته حالًا بكلمات سريعة: (أهلًا أبو يونس، أيام مضت، أيام الشباب، تلك أجمل السنوات من 1982–1992م في رحاب جامعة الإمام مسلم بسنابس، والصحب الجميل مع ثلة من مدرسي البلد، منهم من شاخ وهرم، ومنهم من قضى نحبه)، عقب بكلمات قلبية يدعو لي بطول العمر.
أترجّح بين الحزن العميق واللّا حزن، والحالة الأولى هي السائدة أغلب الوقت، يحاول المقرّبون مني من أهل وأصحاب إخراجي مما أنا فيه، وبينما أتعافى بعض الشيء من وضعي النفسي المتقلب، إلا ويأتيني خبر يُغرقني في الحزن حدّ الثمالة على رحيل إنسان عظيم في نظري، ومفاد الخبر الموجع الذي استقبلته ظهر أمس: (الحاج المعلّم عبدالله يوسف محمد أبو عبدالله في ذمة الله).
أغمضت عيني، أدعك رأسي أسى، وصور أبو عادل تتتابع في المخيلة، وبوخزة ضمير لفترة طويلة لم أزره، ولم أتمكن حتى من حضور تشييعه.
اليوم رحلت يا أبا عادل، وتركت في نفوس كل من عرفك ذكريات شتى ومواقف عدة، ماذا أقول عن إنسان أعتبره جزءًا من مسيرتي الوظيفية، والأخوية، والودية، وحتى الفنية.
يتشعّب الكلام، وتتفرّع الشروحات عن سنين حافلة بالعطاء والإنجاز. تعود بي الذكرى مع مطلع بداية العام الدراسي 1979م، حيث كلّفني الجار العزيز الأستاذ علي المضحي بكتابة لوحة خشبية لتأسيس مدرسة جديدة. أتممت اللوحة بخط الرقعة، وعلّقت على باب مبنى مستأجر يتكون من دورين بعنوان:
(مدرسة الإمام مسلم الابتدائية بسنابس – تأسست عام 1399هـ)
حينها وصلتني تحيات وشكر من مدير المدرسة عبدالله يوسف أبو عبدالله، بالثناء على ما صنعت. وقتئذ لم أكن أعرفه ولم ألتقِ به شخصيًّا، وتشاء الصدف بعد تخرّجي من معهد المعلمين للتربية الفنية بالرياض عام 1982م، نهاية عام 1402هـ في شهر ذي القعدة، أن أُباشر عملي في ذات المدرسة التي خططت أول لوحة للتعريف بها!
كان للأستاذ علي المضحي الدور الأكبر في توجيهي نحو المدرسة الجديدة، وحين أقول الجديدة فلأن في سنابس توجد مدرستان ابتدائيتان أسبق بكثير من تأسيسها، وهما عمار بن ياسر وبلال بن رباح. وقبل استلام خطاب مباشرتي للعمل، سعى الأستاذ عبدالله يوسف بكل ما أوتي من قوة عند إدارة التعليم لإقناع المسؤولين، وكسب ودي، وعدم ذهابي لمدرسة ابن الأرقم بدارين. أمنية تحققت له، وزعل مني آخرون. تصافينا، لكن بعد طول عتاب.
عشر سنوات أمضيتها تحت إدارة إنسان يعتبرني كأني ابنه، أو أخاه الأصغر، أو أحد أقاربه، عاملني بمحبة فائقة، بل المعلم المدلل، نظرًا لقدرتي على تزيين المدرسة بالوسائل التعليمية الشبه دائمة.
بالنسبة لي، أعتبر ذلك أوج نشاطي، حيث نفّذت لوحات كبيرة للجهاز البولي والجهاز الهضمي، وشجرة اللغة العربية والرياضيات، وكلها صناديق مضيئة بالأنوار، مكلفة في الجهد والمال والوقت . بالإضافة إلى تجديد لوحات عنوان المدرسة بين وقت وآخر، وأبرز كل الاشتغالات وسيلتي الأذن والقلب، وهما للوحات الفنية أقرب.
فضلًا عن تصميم وكتابة الجدول المدرسي، والصحف الحائطية، وكذا وسائل العمل للرحلات المدرسية، وتوزيع هدايا للمؤسسات الأهلية، وهي عبارة عن قطع بلاستيكية مكتوبة بخط الثلث لبعض الحكم والآيات.
بهكذا إنجاز، وضعني مدير المدرسة بمعاملة خاصة، وأقولها صادقًا: يتجاوز عني ولا يسامح الغير. على سبيل المثال لا الحصر: إذا كان الدوام الشتوي أو الصيفي مبكرًا أو متأخرًا، أحضر بعد نصف ساعة على بدء الدوام، ويترك دفتر الحضور ولا يغلقه إلا بعد أن أوقّع، ويكون اسمي آخر الأسماء. حالات استثنائية إذا أتى أحد المشرفين التربويين مبكرًا، حين يلحظه قادمًا يضع الخط ويوقّع منعًا للإحراج وفي العادة يخلو جدولي من الحصة الأولى .
ذات مرة ذهب وقت الفسحة وأنا أتناول فطوري في بوفيه بجوار المدرسة، وقال لي وهو على عجل: (ترى موجّه التربية الفنية إبراهيم حمودة ينتظرك في الإدارة، إذا ما تبي تقابله على راحتك)!
وأتذكر غبت عن المدرسة مرتين أو ثلاث، وربما أكثر، نتيجة السهر المفرط، يأتي لبيتنا ويطرق الباب، وتناديه أمي، فيأمرها بإيقاظي حالًا من النوم، فيأخذني بسيارته معللًا بغياب أكثر من مدرس. لا يوبّخني، بل يخاطبني بود واحترام وتقدير.
هذا يدل على وعيه في كيفية التعامل مع المدرسين وكيف يكسب ودهم نتيجة خبرته الطويلة خصوصا تجاه شاب حديث التخرج لم يعي بعد قيمة المسؤولية ،
اذ لم يتجاوز عمري الثالثة والعشرون ، وايضا يدرك بأن وسائل الايضاح اشتغلتها من وقتي الخاص خارج الدوام المدرسي واحضر للمدرسة عصرا ، فتعويضا على ذلك يتساهل معي بشكل خاص لابشكل عام ، شديد على بقية المدرسين في انضباط الوقت .
الأستاذ عبدالله يوسف هو اللقب الذي عُرف به عند المدرسين والطلبة، لديه ثقة تامة في تنفيذ أي وسيلة تخدم المدرسة مهما كانت التكلفة المادية، وسعي حثيث في كسب المؤسسات الأهلية لعمل كراسي وطاولات للفصول، وقد لعبت مؤسستا حبيب العسكري وأبو بليغ اليوسف الدور الأكبر في ذلك.
حين أشرت على أبي عادل بتوفير غرفة خاصة للتربية الفنية لم يتوانَ في توفير ذلك، تم بناؤها فوق سطح المدرسة من (الشينكو والخشب) مع مكتبة للمطالعة.
عبدالله يوسف كان توّاقًا لجعل مدرسة الإمام مسلم مميزة علميًّا، وطلبتها من أحسن الطلبة، بأسلوبه الحسن وفطنته اللماحة في استجلاب خيرة المدرسين في كل مادة، سواء الإخوة العرب أو السعوديين، وبالأخص أبناء المنطقة، مما انعكس في جودة المخرجات.
بالمقابل، أي مدرس لا يُقنع بعطائه ينقله بالتي هي أحسن لمدرسة أخرى، وكم حزن حين تم نقلي بدعوى تدوير حركة المدرسين حسب مقتضيات الحاجة لمدارس أكبر تعاني من نقص المتخصصين. جاهد واستمات لإبقائي لكن دون جدوى، وبعد سنوات أتى الدور عليه، وتم نقله مجبرًا لمدرسة الأنصار في تاروت، وفيها قضى بضع سنين إلى أن أُحيل للتقاعد بعد بلوغه السن القانوني. وقبل المدرستين المذكورتين، كان مديرًا لمدرسة عمر بن عبدالعزيز برحيمة نهاية الستينيات الميلادية.
عبدالله يوسف، ببنيته الضعيفة وطوله الفارع، كان الساعد الأيمن للطلبة الضعفاء، يمدهم ماديًّا ومعنويًّا ودراسيًّا، وهو الأدرى بالعوائل المتعففة. عطوفًا على الطلبة، وإن صدرت منه بعض الغلظة، لكنها في محلها، تمامًا مثل حرص الأب على أبنائه، خوفًا على مستقبلهم، يريدهم متفوقين، منضبطين، ومواطنين صالحين للبلد وخدمة المجتمع.
وبالفعل، خرجت مدرسة الإمام مسلم على عهده خيرة الطلبة المتميزين، والدليل على ذلك شهادة من أحد طلابها، وهو المعلّق الرياضي زهير الضامن، قال صباح يوم تشييعه لمثواه الأخير:
(وداعًا أبا عادل، الرحمة والمغفرة للمربي الفاضل الأستاذ عبدالله يوسف أبو عادل الذي أخلص في عمله، في جعل مدرسة الإمام مسلم من أفضل المدارس في الانضباط وتخريج الكفاءات. فكان وما زال نموذجًا للمدير الحريص كل الحرص على الطلاب، يُظهر الشدة والقسوة، ويُخفي نهرًا من الحب الكبير، خصوصًا لأبناء الفقراء، يتمنى لهم الاستمرار في الدراسة لكي يصنعوا مستقبلهم. من صفاته التي تفرد بها علاقته مع كل آباء وأمهات الطلاب، وكونه من سنابس، كان يعرف كل العوائل والأسر وأحوالهم المادية، وكان يهتم بتوفير الملابس للطلاب ذوي الدخل المحدود، فكان يقدمها على أساس أنها جائزة حصل عليها الطلاب من خلال مشاركاتهم في النشاط المدرسي، يعطينا كروتًا نذهب بها إلى الخياط لتفصيل ثوبين لكل طالب، وكانت هذه مع بداية كل سنة دراسية. ولا أنسى أيضًا الرحلات التي كان يقيمها للمدرسة سنويًّا، وخصوصًا رحلة الأحساء وجبل قارة. هذا قليل من سيرته العطرة، كان يتمنى أن يرى كل طلابه متفوقين ومميزين. ومن الأشياء التي أتذكرها: عندما تخرجنا واستلمنا الملفات من المدرسة لنذهب بها إلى متوسطة سنابس، قال لنا وكيل المدرسة آنذاك، الأستاذ والمربي الفاضل عبد الرؤوف الرويعي: طلاب مدرسة الإمام مسلم يقفوا هنا، وطلاب مدرسة بلال بن رباح يقفوا هنا. استلم ملفات الإمام مسلم أولًا. دارت الأيام، وفي إحدى الحصص دخل علينا لعدم وجود مدرس، وبعد الانتهاء من إعطائنا درسًا في مادة الرياضيات، قال: من لديه سؤال؟ فسأله أحد الطلاب: لماذا اخترت طلاب مدرسة الإمام مسلم أولًا؟ فقال: من خلال عملي في مدرسة سنابس المتوسطة، عرفت أن طلاب الإمام مسلم دائمًا متميزون ومتفوقون، وهذا بفضل مدير المدرسة وكافة المدرسين).
الحديث طويل عن هذه الشخصية التي أعطت الكثير لبناء الإنسان.
رحم الله المربي الفاضل الأستاذ عبدالله يوسف أبو عبدالله، رحمة الأبرار، وحشره الله مع النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين.
والصبر والسلوان لعائلة أبو عبدالله الكرام في فقيدهم الغالي.
ستبقى ذكراه خالدة في قلوب طلابه.)
هذا غيض من فيض، فغالبية الطلاب الذين درستهم وأقابلهم بين وقت وآخر، يفخرون به معلمًا ومربيًا ومديرًا، وثمة حنين لديهم عن أيام المدرسة في عهده، وربما لا يعرف بعض طلابه بأنه كان قائدًا كشفيًا. هذا ما قاله الأخ سعيد آل طلاق، المنخرط في الكشافة منذ صغره، ويعرف القادة على مستوى المملكة، حيث يقول:
(اليوم الخميس ١٧ أبريل ٢٠٢٥، نودّع القائد الكشفي الأستاذ عبدالله يوسف أبو عبدالله (أبو عادل) رحمه الله، أحد رواد الحركة الكشفية بالمنطقة الشرقية. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون).
وعودة للأيام الخوالي في عهد الصبا، كان عبدالله يوسف حارس مرمى لفريق الهلال (النور حاليًا)، وامتهن التحكيم في أوقات الفراغ وهو مدير لمدرسة الإمام مسلم لموسمين رياضيين، وترك التحكيم، وسألته: لماذا تركت ولم تستمر؟ أجابني: (من كثرة اللعن والشتم من بعض اللاعبين المتعصبين، تركت هالشغلة اللي ما فيها إلا وجع الرأس).
عرفت أبا عادل محبًّا للمنتخب السعودي، ويزعل جدًا عند الهزيمة، ويفرح جدًا في حالات الفوز، بل دعا لوليمة جامعة باسم مدارس الجزيرة لغداء أُقيم في صالة عمار بن ياسر بسنابس، بمناسبة فوز المنتخب السعودي بكأس آسيا لأول مرة سنة 1984م.
أبو عادل شخصية مركّبة، ينطبق عليه وصف أغنية: (جد ولعب وضحك وحب)، جاد بشدة في إدارة المدرسة، مخلص لأبعد حد، وفي المساء تراه شخصًا آخر، يسهر مع المدرسين في لعب الورق، وهات يا ضحك وسوالف.
يتبسط كثيرًا مع الصغير والكبير، في المحلات والشارع، حتى لتشعر بأنه ليس مدير مدرسة، بل شخص من “أهل الله”، متواضع، أريحي الجانب، يخاطب الكل دون تكلّف، ولا يرسم هالة على نفسه بأنه مدير مدرسة يجب أن يُقف له التبجيل.
كم كسب قلوب الأهالي وأولياء الأمور، حيث جعل من الإدارة أشبه بديوانية، يأتي إليها الآباء والأجداد ليطمئنوا على أولادهم وأحفادهم. كاتب السطور وثّق بعض كبار السن الذين كانوا يتوافدون إلى المدرسة بتصويرهم في أوقات مختلفة من الأعوام الدراسية، وغالبيتهم انتقلوا إلى رحمة الله.
واللافت عند أبي عادل: يجمع المدرسين بمناسبة أو غير مناسبة على وجبة غداء في رحاب المدرسة، بهدف الألفة وإشاعة المحبة بين الكادر التدريسي، يوزّع هدايا التكريم على المدرسين، وكذا الطلبة المتفوقين، ويُجزل الهدايا للمعلمين العرب قبل سفرهم لأوطانهم عند انتهاء العام الدراسي.
وقبل انتقالي من رحاب مدرسة الإمام مسلم، كرّمني بحفل مبسّط عام 1412هـ، وحضر حفل تقاعدي عام 1440هـ، طبع قبلات على خدي تقديرًا وامتنانًا لشخص يعتبره كبيرًا في نظره. فرح أيّما فرح، مبتهجًا، يرسل الضحكات أثناء تناول الغداء، والصالة ترنّ من قفشاته ومداعباته وقهقهاته. حينها غالبت دمعي، وقلت في خاطري: عبدالله يوسف أعطى خلاصة عمره في التدريس، وهو يُعتبر من الدفعات الأولى للمدرّسين في جزيرة تاروت، خدم الطلاب، وبثّ فيهم روح الكفاح وتحقيق النجاح. تراه يفخر بالدكتور، والمعلم، والمهندس، هذا وذاك، بأنهم خريجو جامعة الإمام مسلم. دعم نادي النور، وأحبّ الجميع، وكرّم كثيرًا من المعلمين، ومع شديد الأسف، حين تقاعد لم يُكرّمه أحد!!
تحية لمحياك الذي غاب عنّا هذا اليوم، وسلام على روحك الشفيفة، يا عميد سنابس.
قرأت الفاتحة عصر هذا اليوم على قبر أمي، وقلت لها في قلبي: “يا يمّه، تذكري من طرق باب بيتنا قبل 44 عامًا، وهو يقول لك: (صبحك الله بالخير يا أم عبد العظيم، يا مرحومة الوالدين، جلسي عظيم من النوم، أبغاه يروح المدرسة). اليوم جاورك بسبعة قبور، هل حييتيه مثل أول مرة سمعتي صوته؟ غاب صوت أمي عني، وغاب صوت أول مدير لي في حياتي المهنية، يحبني حبًّا أخويًّا خالصًا، أفخر بجلال قدره مثل وسام معلّق على صدري.
سلام على أرواحكم، أيها الراحلون.



