في منزل صغير بجزيرة تاروت بمحافظة القطيف، لا تجد مكانًا خاليًا من الألوان أو ريشة أو لوحة تنتظر لمساتها الأخيرة، فهنا تعيش الفنانة التشكيلية فخرية الحبيب، التي لا تكتفي بأن تغمس فرشاتها في الألوان فقط، بل غمست معها قلب أسرتها، وجعلت من بيتها صالة فنية حيّة لا تغلق أبوابها.
زوجها، حسين الجمعان، يروي قصته بنبرة لا تخلو من الطرافة، قائلًا: «زوجتي فنانة تشكيلية، حولت البيت إلى مكان يغص باللوحات والألوان والفرش، وفي البداية كانت الأمور تبدو جيدة، إلى أن أنجبت لي أربع بنات وابن، وورثت اثنتان من البنات شغف الفن من والدتهن، فأصبحت أدوات الرسم واللوحات تلاحقني في كل زاوية».
ويضيف ممازحًا: «أينما ذهبت، وجدتني بين لوحة وعلبة ألوان وفرشاة، حتى غرفة المعيشة صارت محترفًا صغيرًا، ومع كل فعالية أو مهرجان، تصر زوجتي على المشاركة، وتذهب معها بناتها الفنانات، لأجد نفسي وحيدًا في المنزل، فأضطر إلى اللحاق بهن، وأعيش معهم هذه الأجواء».
ثم يبتسم قائلًا: «حين انتقلنا من منزلنا القديم في بلدة الربيعية إلى منزل جديد في أحد المخططات الحديثة بجزيرة تاروت، كنت أعلّق آمالي على أن يضع هذا الانتقال حدًا لفوضى اللوحات، لكن الحقيقة أن الألوان سبقتنا إلى المنزل الجديد، وتوصلت بعدها لقناعة راسخة بأن هذه الفوضى الجميلة سترافقني لبقية عمري».
ورغم هذه المبالغات الظريفة في الوصف، لا يخفي الجمعان سعادته الغامرة بهذه الحياة الملونة، إذ يعبّر: «في الحقيقة، لم أشعر يومًا بالضيق من فوضى الألوان، بل أراها مصدرًا لسعادة زوجتي وبناتي، وهذا الفن ليس مجرد هواية، بل رسالة تعكس ثقافة وهوية المنطقة، وأتمنى أن أكون قدمت لهن دعمًا يُذكر ولو بالقليل».
ويكشف جانبًا آخر من الحكاية حين يقول: «زوجتي تعلّمت الرسم من والدها الذي كانت تشاهده وهو يرسم في طفولتها، كما أن أخاها رسام أيضًا، فتأثرت بهم منذ صغرها، وقد نقلت هذا الشغف لأسرتنا الصغيرة بطريقتها الخاصة».
لكل واحدة من بناته مسار فني خاص، فسكينة وأبرار تابعتا والدتهما بعينين صغيرتين متعلقتين بحركة يدها وهي ترسم، حتى تحوّل هذا التعلّق إلى بصمة فنية واضحة، وبرزتا في المشهد التشكيلي كامتداد ناعم وحقيقي لروح والدتهما، تقاسمتا معها الزوايا، والمعارض، وكأن الريشة ورثت عبر الدم.
واتجهت رقية نحو شغف مختلف، حيث وقعت في حب الكروشيه، وراحت تنسج باللون والخيط ما لا يقوله القماش وحده، لتثبت أن الفن لا يقتصر على اللوحات، بل يمكن أن يسكن بين الإبر والغزل.
وخاض علي، الابن الوحيد، التجربة في بداياته، وأمسك بالقلم والفرشاة، لكنه سرعان ما انسحب بهدوء، كمن اختار أن يكون متفرجًا يصفّق من الخلف لهذا العرض العائلي الكبير.
بينما اختارت نرجس أن تخرج تمامًا عن خط الفن التشكيلي، وصنعت لوحتها بالكلمات لا بالألوان، وسلكت طريق التدريب والكتابة، ودوّنت بأسلوبها على صفحات الحياة، لتثبت أن الإبداع لا يحتاج دومًا إلى ريشة.
ويختم الجمعان حديثه قائلًا: «زوجتي وبناتي لم يكتفين بتحويل البيت إلى مرسم فحسب، بل صنعن منه عالمًا نابضًا، جدرانه تحكي بالألوان، وزواياه تنطق فنًّا بلا انقطاع، فلم يعد مجرد منزل».














