13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هل أعيد تربيتي من جديد؟.. تأملات في وجع الحاج أبي ياسر

حين يبلغ الإنسان السبعين، فإنّ كلّ تجعيدة على وجهه ليست فقط نقشَ زمن، بل شهادة حياة، وسجلّ تضحية. وحين يتنهد في هذه السنّ قائلًا: “هل أعيد تربيتي لأبنائي من جديد؟”، فإنّ هذا السؤال ليس عبثيًا ولا تهكميًا… بل هو سؤال مشبع بالحكمة، مغموس بالألم، ناضج بتجربة لا تُشترى.

لقد قالها الحاج أبو ياسر لا لأنه يشكك في كفاءته كأب، بل لأنه – حين قرأ – أدرك متاخرًا أن التربية ليست فقط إشباعًا للطعام ولا سقفًا يُظِلّ ولا مالًا يُصرف، بل كانت دومًا، ويجب أن تبقى، فنًا في الحضور، هندسة في الحب، وعدلًا في العطاء.

حين نربّي دون أن نُربّى

نحن الآباء غالبًا ما كنا نبدأ التربية لأبنائنا ونحن لم نبدأ بأنفسنا. نُعلّمهم كيف يكونون ناجحين ونحن لا نعرف كيف نكون سعداء، نربّيهم على احترام الآخرين بينما نغفل عن احترام ذواتنا. نطلب منهم أن يكونوا أوفياء ونحن لم نكن أوفياء مع حاجاتنا، مع صحتنا، مع قلوبنا المتعبة.

يأتي سؤال الحاج أبي ياسر كصرخة بليغة:
“هل آن الأوان أن أبدأ من جديد؟ أن أُعيد النظر لا في أبنائي… بل في نفسي، في أدواري، في اختياراتي؟”

العطاء بلا توازن… قتل ببطء

ما أكثر الآباء الذين اختلطت في عقولهم مفاهيم التضحية مع الفناء! ظنّوا أن الأب المثالي هو الذي يُنكر نفسه حتى يتبخر… الذي يُلغي رغباته حتى يُرضي الكل… الذي يعيش كمجرد ظلٍّ لا يُذكر، إلا حين ينقطع!

لكن هل هذا ما أراده الله؟
وهل هذا ما دعت له الشريعة؟
ألم يقل نبي الرحمة: “ابدأ بنفسك”؟
ألم يربنا القرآن على أن القوامة لا تعني القسوة، وأن العطاء لا يعني الإفناء؟

تربية ثانية… لكن بنظرة أولى

التربية الثانية التي يقترحها سؤال الحاج أبي ياسر ليست أن نعيد تربية الأبناء، بل أن نعيد اكتشاف أنفسنا كآباء…
أن نراجع المفاهيم لا الأشخاص…
أن نربي وعينا لا أولادنا…
أن نُربّي الاحترام الذي كنا نظن أنه سيأتي فقط من التعب لا من الوجود.
أن ندرك أننا لا نُربّي أبناءنا حين نعطيهم فقط، بل حين نُشركهم في قصتنا، حين نُربّي فيهم معرفة من نحن… لا كمصدر صرف، بل كأرواحٍ عميقة، ككفوفٍ حانية، كقادةٍ تعبوا ليُضيئوا دروبهم.

الندم المتأخر… هل هو نافع؟

سؤال الحاج أبي ياسر لا يحمل ندمًا سلبيًا، بل حكمة تصحيحية.
هو كمن يقول:
“ربما أحببتُ بصمتٍ لم يُفهم، وضحّيتُ بشكلٍ لم يُرى، وسهرتُ عمراً على راحتهم، لكني غفلت عن راحتي…”

الندم هنا ليس إعلان فشل، بل دعوة لإعادة رسم لوحة العمر بلونٍ مختلف.
ربما لن نُعيد أولادنا إلى الطفولة، لكننا نستطيع أن نُعيد أنفسنا إلى الحياة.
نُحيي الحب الذي ذبل، والاحترام الذي غاب، والعدل الذي انكسر.

إلى كلّ أب… لا تنتظر أن تسأل: “هل أعيد تربيتي؟”

ابدأ الآن.

   •    راجع مفاهيمك عن الأبوة.

   •    لا تُعطِ أكثر مما تحتمل.

   •    لا تُلغِ ذاتك في سبيل أن يكتمل غيرك.

   •    لا تُرَبِّي أبناءك فقط ليُحبوك… بل ليفهموك.

وابدأ دائمًا بنفسك… كما أوصى حبيبك محمد صلى الله عليه وآله:
“ابدأ بنفسك”… وإن فاتك البدء في الأربعين، فلا تضيّعه في السبعين.

ختامًا نقف متأملين…

سؤال الحاج أبي ياسر لم يكن مجرد كلمات، بل كان مرايا تُواجهنا نحن الآباء. فشكرًا له، لأنه بجرأته طرحَ السؤال الذي نخجل أن نسأله، ولأنه أيقظ فينا الرغبة ألا نكون “ضحايا تربية قديمة”.
بل آباءً متجددين… قلوبًا تنبض بالحب والوعي معاً… أرواحًا تُربّى، وتُحب، وتَعيش.

فهل نبدأ؟
الآن… وليس غدًا.


error: المحتوي محمي