في قلب جزيرة تاروت بمحافظة القطيف، يسكن شغف لا يُرى بالعين ولكن تلتقطه كل عدسة، إنه جاسم عيسى محمد الأبيض، شاب من فئة الصم، في السابعة والأربعين من عمره، بات اليوم أحد أبرز المصورين المعروفين على مستوى المحافظة، لا تكاد تمر فعالية أو مناسبة من دون أن يكون في مقدمتها، حاملًا عدسته، يلتقط اللحظة بلغة الضوء، ويوثقها من أجل مجتمعه.. طوعًا وبلا مقابل.
البداية بكاميرا مستعملة
من خلف صمته، نبت شغف التصوير. لم يكن لديه خلفية تقنية، ولم يتلقَ دورات احترافية. كل ما فعله أنه اقتنى كاميرا رقمية مستعملة -لا يذكر كم كان سعرها- وبدأ بتجربة الزوايا، والضوء، والمشاعر. يقول: «شعور جميل ومفرح، تحديدًا مع عائلتي لحفظ الصور التذكارية». كان لأهله وزوجته ووالديه دور كبير في تشجيعه، كما ساعده جاره جاسم البيابي في تعلّم أساسيات التصوير. ومنذ ذلك الحين، لم تفارق الكاميرا يديه.
العدسة التي تُعبّر عن الصمت
يرى جاسم أن التصوير ليس مجرد توثيق، بل هو تعبير عن الذات. يقول: «التصوير يعبر عن الكثير من المشاعر، ومنها الذكرى والتميز. ومن جهة أخرى، هو بوابتي لخدمة وطني وأصدقائي». ورغم أنه من فئة الصم، إلا أن المجتمع احتضنه، وفتح له أبواب الفعاليات. «لا أجد مشكلة في أني من الصم، لأن المجتمع يتقبلني، والدليل أن منظمي الفعاليات يطلبونني دائمًا».
صوت المجتمع في الفعاليات
أول تغطية لجاسم كانت لدورة “كافل اليتيم” لكرة القدم، ودورة “ميلان الشمال” الرمضانية في عام 2012، ومنذ ذلك الحين أصبح وجهًا مألوفًا في جميع المناسبات الرياضية والاجتماعية، من دورة الزواج الخيري إلى حملات التبرع بالدم، ويوم التأسيس، مرورًا بمناسبات بأندية المحافظة مثل نادي السلام بالعوامية ونادي النور ونادي الهدى.
ورغم التحديات التي يواجهها في سرعة نقل الصورة للمتلقي أو التواصل الفوري، فإنه يعتمد على ولده “مهدي” الذي يتقن لغة الإشارة، إلى جانب استخدامه للأجهزة الذكية ومساعدة بعض الأشخاص في التغطيات.
الضحك خلف الكواليس
المواقف الطريفة لا تغيب عن عدسة جاسم. فحين يصوّر الأشخاص من ذوي الإعاقة، غالبًا ما تتحول اللحظة إلى نوبة ضحك مشتركة. وهذا ما يجعله أقرب لهم، وأكثر قدرة على إبرازهم بصورة إنسانية.
بلا رتوش الصورة تتحدث
يقول جاسم إن الفرق بين الصورة العادية والصورة التي “تتحدث”، هو الإتقان، واختيار اللحظة المناسبة. «نادرًا ما أعدل على صوري، فغالبًا أفضّل الصورة الطبيعية». أما عن اختياره للزوايا، فيقول: «أبحث عن أجمل جهة في الفعالية، وأميل أحيانًا لتصوير البورتريه».
صاحب حلم واستوديو مستقبلي
جاسم لا يكتفي بما حققه. يحلم بافتتاح استديو تصوير خاص به، وتقديم دورات تدريبية مخصصة للصم، وتمكينهم من استخدام الكاميرا كوسيلة للتعبير. وشارك مؤخرًا في بطولة الألعاب السعودية بالرياض ضمن فريق نادي الهدى، ويتمنى تغطية فعاليات على مستوى المملكة.
رسالة أمل للشباب من فئة الصم
في ختام حديثه، يوجّه جاسم الأبيض رسالة للشباب من فئة الصم: «لكل إنسان مجال يبدع فيه، سواء أكان من الصم أو غيرهم. لا تستسلموا لصعوبات الحياة، وتمسكوا بأحلامكم».












