وحيدة بين جدران منزلها المتآكل، والمكون من صالة مترهلة، وحجرة واحدة، تحتوى فراشًا هزيلًا، وسادة جردها الزمن من ليونتها، وخزانة ملابس لم يبق منها سوى خشب أذاب زواياه الزمن، وهي تغمض عينيها كل ليلة على وقع انكساراتها.
اعتادت الوحدة، فلم تأنس بولديها منذ سنين عجاف من سنابلها، فإنه بعد زواجهما، سافرا إلى بلاد بعيدة، تاركين خلفهما قلبًا، يعتصره الحنين، ولا يزال يعتصر بين أضلعها رغم مرور السنين.
مؤلم جدًا، أن تجد نفسك وحيدًا، أن يغيب عنك من أحببته، من أفنيت زهرة شبابك، وعنفوان روحك؛ ليزهر.
هذا الشعور، يقعر الدنيا في عينيك، فتراها باهتة، فإن أبصرتها الآن، ستجد ملامحها تزدحم بالتجاعيد، سمرتها ذابلة فقدت بريقها، كشفتيها الذابلتين، وكأنك تقرأ عبرهما قساوة الحياة، وغربة الروح في زواياها القاسية.
عيناها واسعتان، هكذا تبدوان للوهلة الأولى، ولكن إن أمعنت النظر، ستلمح حزنًا جارفًا، وبؤسًا غائرًا؛ أفقدها اتساع رمشيها، وأطفأ شيئًا من نور بصرها، إنها وجه يختصر المعاناة، ملامح أهدتها الحياة وجعًا، متراكمًا جعلها إلى الصمت مرآته، اللغة التي تمارسها في درامية الحياة، وكأنها جزء من مشهد لا ينتهي.
لم يعد الصمت في عالمها، صمتًا عن سكون الأمكنة، أو الكلمات، إنه صمت الحكايا، حديث الروح للذكريات، وهمسات الذات، كقصائد شوق، يخطها يراع الشعراء، ترسمها في خيالها كاد أن يكون، كوهم الحقيقة، تجسدها حقيقة الوهم، وهو اللقاء بفلذة كبدها، والذي لا يحدث إلا في أحلامها، تعانقه الحسرة بدموع لا تسقط من عينها، ولكنه من قلبها وروحها.
قدماها لا تقويان على المشي إلا بعض خطوات، يقطعهما التوقف هنيئة بحجم الوقت.
كل مساء، تجد في المشي بين أزقة الحارة ملاذًا، وذلك قبل غروب الشمس، تستنشق عبق الأماكن، وتنتقل بنظرها في المارين من هنا، حيث هي؛ لتشعر بذاك الزمن الهارب، الماضي الذي تلاشى، والحاضر الذي يسبقها في خطواته، بلا انتظار.
إنه قلب الأم، هو الكون في فضاءاته، في سيمفونية ألحانه، كعطر منديلها، كيف به، إن جاء هذا القلب الفواح مملوءًا بالألم، سيغدو؟!
في غربتها، الألم وحده يملأ المسافات، ويبعثر الموسيقى في أرجاء روحها.
ورغم ذلك، تظل الروح أقوى من الألم، تستحضرها من خلال استذكار أيام طفولتهما، ضحكات الصبا، إلى ريعان الشباب، إلى فرحتها في يوم زفافهما، وكأن الذكريات طوق نجاة، ينتشلها من بحر الحنين، وأمواجه.
ما أجمل قلب الأم! إنها رغم كل الأسى، يظل ولداها عنفوان الحياة في عينيها نورًا، لا يخفت مهما اشتدَّ ظلام الفراق.
وبينما هي واقفة عند نخلة سعيفاتها خضراء، باسقة كربيع الذكريات، تقترب منها طفلة، وابتسامتها تملأ وجنتيها، أفلتت يديها من والديها، تركض نحوها بعفوية؛ لتحتضنها ببراءة، انحنت لها، وكأنها تزيح عن كاهلها وجع السنين، واشتياقاته، طبعت قبلة على جبينها، تغرقها في عناق دافئ، وعيناها تحدقان في والديّ الطفلة، ودموعها تنساب على خديها بسكون المتأملين، كالندى يداعب نافذة منزل قديم؛ لتبعث في ردهاته الحياة.



