بين مدة وأخرى تظهر بين فلتات لسان بعض الناس حقيقة يتنكر الاعتراف بها وهي أننا بالعموم أكثر انبهارًا بالشخصيات الغربية أو البعيدة التي كان لها إنجاز معين مقارنة بالشخصيات المحلية المنجزة حتى لو تفوق الإنجاز المحلي، وهناك مثل شعبي معروف بهذا المعنى أيضًا، فهذا الادعاء له ما يدعمه حتى في الأمثال الشعبية، والأمل أن تصحح أو تقضي ممارستنا العملية على هذا المثل الذي يكشف عن جانب ليس إيجابيًا.
تساءلت بعد قراءتي لكتاب "من تراث جزيرة تاروت” الذي اقتنيته “بعد تردد بسبب سعره حينها" في رمضان 1406هـ. وأنا ما زلت يافعًا حينها عن جدوى تأليف مثل هذا الكتاب الذي يحتوى على العديد من الصور الفوتوغرافية لمعالم نراها كل يوم في تقريبًا، وألعاب شعبية نمارسها حسب مواسمها خلال العام، وأمثال وحزاوى نسمعها من الكبار في المجالس وفي الطريق وفي مختلف اللقاءات، وشرح لأوصاف بعض الملابس التقليدية للنساء والرجال وكذلك للمهن التي ما زالت سائدة حينها!
الكتاب جيد لكنه لا يرقى لأن أدفع مصروفي قيمة كتاب يصف مواقع وأشياء نراها ونمارسها في حياتنا اليومية. كنت أقول هذا الكلام لأحد الأصدقاء معبرًا عن أسفي لخسارتي مصروفي مقابل شيء عادي. لكن صديقي نبهني بعتاب وهو يخبرني أن تلك المسرحية التي استمتعنا بحضورها على مسرح نادي الهدى وتلك الأخرى التي كانت على مسرح ثانوية تاروت وكنا نردد كثيرًا من مشاهدها “وربما جل من حضر تلك المسرحيات ما زالت ذاكرته تكتنز شيئًا من مشاهدها” كانت من تأليف وإخراج “وربما كل شيء أيضًا” نفس مؤلف الكتاب الذي اشتريته! وهذا المؤلف هو نفس الرجل الذي كنا نراه عادة في أروقة مبنى نادى الهدى عندما كنا نذهب لمشاهدة تمارين رفع الأثقال هناك.
ما زلت إلى الآن أعد نفسي من الذين لديهم إلمام بسيط بنتاج هذا المؤلف سواء على المستوى المسرحي تأليفًا وإخراجًا، أو على مستوى مؤلفاته الأخرى المتخصصة في التراث والثقافة والمجتمع، وعلى الرغم من ذلك لا أستطيع أن أخفي انبهاري بهذه الشخصية المتواضعة والمحبوبة من الجميع، فهي شخصية ثقافية متعددة الاهتمامات خاصة اهتمامها ومنذ زمن طويل بمسرح الطفل وتقديمه مختلف المسرحيات على مستوى المنطقة الشرقية والمملكة ثم دول الخليج لاحقًا، وكذلك اهتمامه المبكر من خلال مؤلفاته بتوثيق التراث المحلي مثل كتابه عن شاعر الموال والزهيري المعروف عيسى بن محسن آل حماد، وكذلك الألعاب الشعبية والأمثال واللهجات المحلية والطب الشعبي، وكذلك مؤلفاته التي تتناول الجانب الاجتماعي كالمرأة والأسرة والعمل التطوعي والشباب، كما شاهدنا لهذه الشخصية العديد من الوقفات التكريمية على منصات مختلفة احتفاء به، ونيله عدد من الجوائز الأدبية التي منحت له من جهات محلية ودولية مرموقة.
لقد كانت تلك المسرحيات الجميلة والأنشطة الثقافية عمومًا في تلك الفترة يقوم سنامها على الجهود الذاتية والعمل التطوعي فقط، وهو ما يشكل تحديًا حقيقيًا إضافة للتحديات الأخرى، لقد كنا نرى بعض أثاث مجالس البيوت يستعار منها لاستخدامه على خشبة المسرح وصالة الجمهور، ومن الجانب الآخر كان بعض النقد الذي يقال على خشبة المسرح موجهًا إلى بعض الداعمين والمتبرعين لإقامة تلك المسرحيات وهم يجلسون في الصفوف الأولى من المسرح.
بالعودة الي كتاب "من تراث جزيرة تاروت"، الذي أصبح له مكانة خاصة لدي، أتذكر في عام 2016م اضطررت لأن أبحث عن كتاب يفي بالغرض لأقدمه لأحد المسؤولين في هيئة السياحة في الرياض كي أدعم مناقشتي إياه عن التراث المحلي في المنطقة، فلم أجد أفضل من الكتاب الذي استكثرت فيه قيمته التي دفعتها من مصروفي الخاص قبل 40 سنة.
في بلدنا شخصيات مميزة حقًا، وأسميها شخصيات نصف قرنية، وذلك لأنها سخرت نفسها وعلمها وجهدها بسخاء خدمة لبلدها لخمسين سنة وأكثر دون ملل أو تعب. إن الدكتور عبد الله العبد المحسن هو أحد هذه الشخصيات الوطنية العظيمة النصف قرنية التي نفخر ونفاخر بها، فقد ترك بصمة في الوعي والذاكرة في مرحلة كانت تعتمد على الجهود والمبادرات التطوعية أكثر من أي شيء آخر.



