حضرتكَ -القارئ الكريم أو القارئة الكريمة- هل تستبدل شيئًا رخيصًا بشيء ثمين؟ مثلا تعطي أوقيةً من الذهب وتأخذ أوقية فضة؟ تعطي أحجارًا كريمة وتأخذ حجارة غير ذات قيمة؟ تستبدل بطعام قيم طعامًا من الخضراوات والخيار والثوم والعدس والبصل؟!
لو سألتني قلت لك: لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي أخذت فيها الخيار الخطأ واستبدلتُ بالأفضل الأقل قيمة. هي مشكلة الإنسان منذ آدم -عليه السلام- حين قال له الله سبحانه وتعالى: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ،}؛ شجرة واحدة لا تأكل منها يا آدم ولك كل ما تشتهي! ثم أنتم -القراء الكرام- تعرفون ماذا حصل لآدم وزوجه حينما اختار أن يأكل من الشجرة!
يقص القرآن الكريم حكاية معبرة عن سوء اختيار بني إسرائيل حيث يقول: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ}. طلب بنو إسرائيل أطعمة متنوعة فجاءهم اللوم والتقريع بالقول: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! أي أن ما لديكم؛ المنّ والسلوى، فيه قيمة غذائية أعلى من الأطعمة النباتية. المنّ فيه المواد السكرية والسلوى فيها اللحوم، سهلة الهضم. لم يعجبكم المنّ والسلوى، اطلبوا ما هو أفضل!
استبدال الأدنى بالذي هو خير حالة ظاهرة للعيان في سيرة الإنسان، ليس مكرهًا، إنما بإرادته واختياره. ماذا اختار قوم لوط؟ {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}! إن الصور التي يعرضها القرآن عن أقوام غيرنا، قوم لوط أو بني إسرائيل، لا نستطيع أن نحصرها في زمان غير زمان وقوم غير قوم. هي أفكار عابرة للتاريخ والعالم كله.
ما أردت قوله أننا نعيش بين تجاذبات قوى مختلفة، بين قوة العقل وشهوة النفس فأيهما يربح؟ في الحياة خيارات أصعب بكثير من الأكل ومن لون السيارة ومساحة الدار والسفر إلى دولة "سين" بدلًا من دولة "صاد"، بعض الخيارات قاتلة حين يختار الإنسان الكفر والعصيان ويترك الطاعة والإيمان. الكفر والإيمان، الضلالة والهدى، العمى والنور، نظن أن من يختار الأدنى من هذه الحالات إنسان مختلّ، غير موجود، بينما الواقع يدل على أن في العالم كثيرين من الرجال والنساء يختارون العمى على النور والضلالةَ على الهدى والكفر على الإيمان! فماذا تقول؟
في كل مرة أودّ تذكير القراء الأفاضل أن تفسير القرآن الكريم لا يؤخذ من خاطرة إنما من كتب التفسير الموثوقة!



