من المؤكد أنك تحمل هاتفًا ذكيًّا في جيبك، موصولًا بالشبكة العنكبوتية، أم أنا على خطأ؟ هل فكرت كيف كان شهر رمضان قبل هذه التقنية؟
أتذكر قبل أكثر من خمس وخمسين سنة، عندما كنت أصطحب أخي الخطيب أحمد الوحيد إلى عدة مجالس في جزيرة تاروت، يسأله كثير من الحاضرين بحكم كونه من القلة الذين لديهم كتب دعاء وعبادات تخص ليالي شهر رمضان وأيامه مثل كتاب مفاتيح الجنان: ما الصلاة الخاصة بهذه الليلة جناب الملا؟ ما حكم كذا؟ وما حكم ذاك؟ أين تلك الصعوبة والمشقة في الحصول على معلومة بسيطة من سهولتها ويسرها الآن؟
ربما تتذكرون انتظار التحقق من دخول شهر رمضان ودخول شهر شوال حيث وسائل الاتصال شحيحة فلا بد من الانتظار طويلًا حتى تصل المعلومة الأكيدة! في هذا الزمان، كلنا: رجالًا ونساء، صغارنا وكبارنا لدينا مكتبات زاخرة في أيدينا مليئة بكل مسألة، وبكل شاردة وواردة من معلومة، يمكن الوصول إليها في السفر والحضر.
يسأل القراء الأفاضل: ما الجديد حتى تشغلنا بمثل هذه المعلومة التي يعرفها حتى الأطفال؟ الجديد أن الإنسان مع توفر الأكل الجيد لا يفتأ يصر على الوجبات السيئة، لا يزال وقتنا يذهب في الأشياء الرخيصة التي تملأ الهواتف والحواسيب والمواقع الإلكترونية! أبنائي وأبناؤكم أخذوا التطور التقني تسليم المسلمات لأنهم لم يعيشوا قبلها، وقد يكون للجيل القادم فكر آخر عندما تأتي تقنية أكثر تطورًا!
ضربت التقنيات الحديثة كلّ أنواع الجهل لمن يريد المعرفة فلا عذر لمن لا يريد أن يقرأ ويطلع أو يصمّ أذنيه عن أي شيء في الحياة. هي أداة ذات حدين مثل المنجل البسيط، عبارة عن آلة يدوية لحشِّ وجزّ العشب وحَصْدِ الزرع المستحصد أو آلة يقتل بها الإنسانُ غيره ويفتك به متى ما أراد!
لا تفهمني خطأ، من البديهي أن لا يكون الهاتف المحمول أو غيره بديلًا دائمًا عن الكتاب والثقافة! إنما هو وسيلة للحصول على الكتاب؛ يمكنك أن تحمل معك آلاف الكتب في جيبك وتصل إلى المعلومة بدقة وبسرعة فائقة. تستطيع أن تحمل القرآن الكريم وكتب التفسير وكتب الحديث وكتب الدعاء، وأي كتب أخرى.
أشياء كثيرة لم يعرفها أسلافنا وعاشوا من دونها، لكنها غيرت مجرى حياتنا سلبًا أو إيجابًا ومن هذه الأشياء الهاتف الذكي وعلينا نحن أن نأخذ ما يغير حياتنا نحو الأفضل بدلًا من أن نلقي اللوم عليها!
لن يعود الزمن إلى الوراء وقريبًا تختفي -نهائيًّا- الكتب الورقية التي عرفناها أنا وأنتم، والفضل يعود للهاتف الذكي!



