12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

اقرأ لتقرأ

الكتابة مأخوذة من الكتيبة، والكتيبة تعني الخيل المجموعة مع بعضها بعضًا، وعليه أطلق المختصون على الحروف المجموعة مع بعضها بعضًا لفظ (الكتابة). 

   
الكتابة منهلها أمران : 
الأول: الواقع؛ من خلال المواقف والأحداث، أو من خلال المنقول أو المسموع أو المرئي. 

الثاني: الخيال؛ كتحليق الشاعر بخياله لعالم الأسطورة والمثال والكمال، أو كما يرد في بعض الروايات أو قصص النثر وخواطره من تحليق وإبحار لا واقع له. 

   
ما يكتبه الواقع -عادة- يكون وليد مواقف مؤثرة إيجابًا أو سلبًا بشكل عميق في روح وقلب الكاتب: يذكره للعظة والعبرة والعلم، وقد يحمل رسالة خاصة، أو عامة. 

     
أما ما يكون تحت دائرة تصفية الحسابات أو الخصومة - كما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي بين المتخاصمين، أو المتنافسين، أو المتربصين، أو المعارضين للأفكار أو الأدبيات أو الرؤى - فعادة يكون محدود الأثر، وغير مستساغ عند الأدباء والقرّاء بشكل عام؛ وإن كان مكتوبًا؛ فما كل غصنٍ بريحان. هذا النوع من الكتابة مزيج بين الواقع والخيال؛ لأنه مبني على انطباعات وجدانية، وتقلبات قلبية، وشتات. 

   
ما يكتبه الخيال -عادة- يكون متنفسًا لجأ إليه صاحبه للتعبير عن الأحلام. أو الطموحات، أو الأماني، وقد يكون للفضفضة والفن فحسب، وقد يكون للتسلية أو الترفيه أو المتعة؛ فكم وكم من قصيدة شعرية لا واقع لها. 

   
عادة الكتاب الحقيقيون مرهفون في إحساسهم وفي نفوسهم أيضًا، وخاصة الشعراء منهم؛ ولهذا نجد أثر الألم في حروفهم وكلماتهم محسوسًا، كما تجد أثر الحب والوجد نبضًا متدفقًا منسابًا؛ فاقرأ لتقرأ!!. 

      
يستطيع الناقد البصير قراءة نفسية الشاعر أو الكاتب من خلال حروفه وكلماته، بل ويستطيع الولوج إلى قلبه والإبحار فيه ورؤية كنوزه وجواهره، ويستطيع تحليل ماهيته واقعًا أو خيالًا كما يستطيع الكيّس الفطن قراءة المواقف والسلوكيات العامة للآخرين من خلال الأفعال وردات الأفعال بعد غربلتها وتأويلها. 

   
بعض المواقف كلمات ناطقة يسمعها الحر، ويستوعبها، ويفهم رسالتها الداخلية والخارجية، وبعضها ضجيج لا قيمة له، وبعضها سراب يحسبه الظمآن ماءً؛ فاقرأ لتقرأ. 

       
الصمت لغة يتقن قراءتها الأحرار وإن كانت كلماتها وحروفها غير مرئية. يجب أن تقرأ لغة الصمت كما تقرأ لغة الكلام؛ فكم قلب صامت وفيه ألف كلمة وألف رسالة وألف قصيدة!!، فاقرأ لتقرأ. 

    
الكتابة قد تكون همسة أو لمسة أو بسمة أو نسمة، وقد تكون حنينًا وقد أو أنينًا أو آهات نازفة؛ فاقرأ لتقرأ. 

    
وعليه؛ حين تقرأ المكتوب فانظر ما وراءه؛ فكم حملت الحروف والكلمات من معانٍ عجزت عنها المواقف والأحداث؛ فاقرأ لتقرأ. 

      
كثيرون يدّعون الحب، وكثيرون يعبرون عنه، وكثيرون رسموه خطوات؛ ولكن القليل من جسده جوهر ورسالة وحياة، فاقرأ لتقرأ. 

   
فارق كبير بين من يكتب ليكتب فقط أو يكتب للأضواء أو يكتب للنرجسية والأنا، وبين من يكتب لرسالة ورؤية وأهداف نبيلة؛ فاقرأ لتقرأ. 

       
الكتابة هي الرمق الأخير للإحساس عند بعضهم، وهي الحياة بأسرها عن آخرين، وهي الأنا عند فئة ثالثة؛ فاقرأ لتقرأ. 

    
تستطيع قراءة المكتوب والمسموع والمرئي، وتستطيع قراءة الرسم، وتستطيع قراءة الصمت، وتستطيع قراءة نظرات العيون ونبضات القلوب، فضلًا عن الحركات والسكنات؛ ولكن متى أردت ذلك، فاقرأ لتقرأ. واعلم أن رُبّ كلمة بكتاب، وربّ كتاب بكلمة، وربّ نظرة بسورة منزلة، وربّ بسمة بوحي، ورب ضحكةٍ بخنجر؛ فاقرأ لتقرأ. 


error: المحتوي محمي