12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ريطة الخرقاء!

مرت أول جمعة من شهر رمضان المبارك ولم نشعر بها! يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام مذكرًا بسرعة انقضاء الدنيا والعمر: "واستتموا نعمَ الله عليكم بالصبر على طاعته، والمجانبة لمعصيته فإن غدا من اليوم قريب. ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر". "غمّض عينًا وافتح عينًا" وينقضي الشهر كله!

{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}! كثيرًا ما يستند القرآن الكريم في إيضاح أغراضه إلى أذهان الناس إلى ضرب الأمثال الحسية الرائعة من الحياة. بذلك يقرب المفاهيم الصعبة ويبسطها لتكون مفهومة غاية الفهم. إن أهمية الأمثال في حياتنا أنها تظهر في انطباق المثال على المقصود وأن المثل يتكرر في التاريخ في كل زمان فإذا كان شخصًا تكرر في شخصية أخرى أو في حالة تكرر في حالة أخرى.

مثل اليوم عن امرأة حمقاء اسمها "ريطة، لكن قبل ذلك: من تظنون أنه أغبى وأحمق مخلوق؟ ربما لو تقصينا التاريخ وما جاء في القرآن الكريم لوجدنا أن إبليس أول وأكبر الحمقى وإلا ماذا كان ضرّه لو أطاع الله وسجد لآدم؟ لكنه حاجج وخاصم وتكبر وتجبر والنتيجة ما وصل إليه من سوء العاقبة.

المؤسف أن إبليس تشظى في كل الأزمنة إلى "أباليس" والشيطان تشظى إلى شياطين في داخل نفوس البشر وخارجها. إبليس هو منخل يغربل ويصفي الشخصيات وأداة كاشفة عن الهداية والغواية فلو لم يكن امتحانًا بواسطة إبليس لكانَ بواسطة غيره!

كانت امرأة حمقاء من قريش في مكة تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار غزلاً جميلًا متينًا، من الصوف والشعر، ثم إذا انتصف النهار أمرت جواريها أن ينقضنَ ما غزلنَ ولا يزال ذلك دأبها. يذكر في كتب التفسير أن اسم المرأة ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، وكانت تسمى خرقاء مكة. 

ضرب الله سبحانه وتعالى مثلًا بهذه المرأة "ريطة" في سورة النحل: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} وهو تمثيل رائع للحماقة بالمرأة حين تغزل الغزل بقوة ثم تعود فتنقض ما أتعبت نفسها فيه وغزلته فتجعله أنكاثًا، خيوطًا متفرقة تحتاج إلى إعادة غزل.

مثل رائع يوضح حماقة ودناءة من يبرم عهدًا مع الله وباسمه، ثم يعمل على نقضه وقد ينسحب على كل من يبني بناءً ويشد أساسه، ثم يهدم ما بنى وما أنجز، وفيه دروس أخرى.

لكل داءٍ دواء يُستطبّ به 
إلا الحماقةَ أعيت من يداويها

.. أبو الطيب المتنبي ..


error: المحتوي محمي