قرأت للشيخ الشعراوي رحمه الله "إذا لم تجد لك حاقدًا فاعلم أنك فاشل". ما الذي يختبئ وراء مقالي هذا؟ أمور كثيرة في خاطري أحاول أن أبوح بها وأحكيها، أخذتني الفكرة بلحظة شرود مفاجئة، وببعض الدهشة وببعض الجرأة وببعض الاختباء بين شقوق الفجر، حتى تبلورت لدي فكرة النص واتضحت الفكرة بداخلي لأنثر استيائي المترنح ويراودني سؤال: إلى متى سيمارس البعض التجاوز والقمع لمشاعر وخصوصية وقرارات الغير!؟ فأنا على حافة الغضب، رغم أني قد قرأت مثلًا فرنسيًا يقول "إنك تخطو نحو الشيخوخة يومًا مقابل كل دقيقة من الغضب". ومع هذا الاعتراف النبيل هناك رد فعل، لابد لي أن أشعر بمرارة شديدة له وقعه السلبي على قلبي.
ولكن حينها، خطر ببالي أسماء رافقت سنوات عمري واحتلت ركنا لا ينسى من ذاكرتي، لعلي أستعيد بعض هدوئي والقلق الذي لازمني وكأني تلميذة أخوض امتحانًا لأول مرة وقد تبخرت أفكاري. وقد يرجع السبب إلى أن هناك انتقادات وتجاوزات مستفزة من البعض بين حين وحين، بشأن عدم مواكبتي بعض الأمور وما يحدث من تقليد ومسايرة الغير ليس إلا. من بينها استوقفتني ذات يوم إحدى الأخوات متسائلة قد يبدو أنها فرحة بامتلاكها رخصة السياقة، وكأنها قد نالت جائزة نوبل للسلام! وقد سألتني: ما نوع سيارتك؟! قلت لها لا سيارة لدي، وكأنها لم تصدق وقالت بتعجب لافت معقولةّ! وكيف تنتقلين هنا وهناك! رددت على دهشتها: أرافق زوجي وكأني أميرة لو أردت التنقل، ومن ثم قلت لها منذ عقود ونحن بأرامكوا هناك من الزميلات من لديهن رخصة القيادة ولم يراودني يومًا حينها أن أنال مثل تلك الرخصة ولا السيارة. وهناك أيضًا عدة مرات بل عشرات المرات، من بعض السيدات يستفسرن مني وباستهجان زائف وأنه أمر مثير للاستفزاز حقًا! وإلى متى ستبقين مرتدية هذه العباءة الزينبية والتى مضى عليها الدهر! حيث أصبحت غير مقبولة ولا مناسبة للكثيرات حاليًا، وما كان مني إلا أن أشفقت على نلك السيدات لتفكيرهن الأجوف! وذلك بعدم الرد عليهن والتزمت بالصمت. ولكني سأسرد هنا الموقف الأكثر تجاوزًا من شدة تفاهته!ْ إحدى المتصابيات والتي تسعى لإعادة هيكلة جسمها وهي تلهث خلف عمليات التجميل "هذا شأنها" تقول لي ساخرة: تخيلي وأنت داخلة هنا "مكان عزاء" لم أعرفك لقد تغير شكلك! "الدوام لله سبحانه" ولقد منحت نفسها الحق في ذلك الهراء، ربما لنيلها الرقم الأكبر في عمليات التجميل التي قامت بها وغيرت ملامحها ما وهبها الله من خلقة ربانية! ولا ينبغي أن ننكر ذلك لقد خلقنا الله في أحسن تقويم، وببداهة متناهية مني رددت عليها: اسم الله عليك عسى ما أصابك شيء من الهلع عند رؤيتك إياي! وهل أصبحت عمليات التجميل أساسية للسيدات! ولماذا أبحث عنها وأركز على ما لا أملكه أو فقدته من مقومات الجمال والشباب المزعوم! عذرًا أيتها الأخت المعنية بهذا الشأن! أنا راضية بما يفعله الزمن بشكلي ومظهري وبجسدي الزائل! ودعيني عزيزتي كما أنا أتوهج بالرضا والقناعة والعقلية التي أملكها.
إن مجرد كون فكرة أو طريقة ما لفعل الأشياء الشائعة لا يعني أنها مناسبة للجميع. ومع ذلك، جزء من الطريقة التي يصبح بها شيء ما مألوفًا هو أن الكثير منا لا يأخذ الوقت الكافي لتحديد ما هو مناسب للبعض ومدى حاجتنا وقناعتنا، نحن ببساطة نفعل ما يفعله معظم الأشخاص الذين نعرفهم. بهذه الطريقة، يتم اتخاذ القرارات بشأن الحياة بشكل افتراضي، مما يعني أنها ليست ما نسميها قرارات واعية. قد يكون هناك العديد من الخيارات الأخرى المتاحة، ولكن البعض لا يخصص دائمًا الجهد والوقت الكافي لاستكشافها. قد يكون هذا نتيجة للشعور بالإرهاق أو الضغط من قبل العائلة والمجتمع بشكل عام، للقيام بالأشياء على طريقتهم، بالطريقة التي كانت تتم بها الأمور دائمًا. بغض النظر عن السبب، من المهم، بقدر ما نستطيع أن نقرر بأنفسنا ما يجب أن نفعله في حياتنا بدلًا من الانجراف مع تيار الرأي العام المناسب وغير المناسب وكأننا في مارثون وسباق للجري. صدقًا لن أحاول أن أكون ضحية التقليد الأجوف.
ليس من السهل دائمًا اتخاذ قرارات تتعارض مع التيار السائد. يشعر العديد من الأشخاص بالحرج والخجل عندما يتخذ المقربون منهم خيارات متباينة عن تلك التي يتخذونها. قد يشعر الأهل والأقارب بالارتباك والدفاعية عندما نختار شؤوننا بطريقة مختلفة عن الغير. قد يشعر الأصدقاء بالتخلي عنا إذا قررنا عدم تغيير عاداتنا أو سلوكنا أو حتى مظهرنا. وفي الوقت نفسه، من السهل أن نشعر بالإحباط والدفاعية عندما نشعر بعدم الدعم وسوء الفهم لمجرد أننا نفكر بأنفسنا بقناعة. قد يكون من المرهق أن نضطر إلى شرح وإعادة تفسير وجهات نظرنا وأسبابنا.
وهنا يأتي دور اللطف والتسامح والتعاطف. ومن المفيد أن نتحلى بالهدوء والثبات والوضوح عندما نتواصل مع من حولنا ونشرح لهم سبب اختياراتنا وثبات آرائنا. وفي الوقت نفسه، يحق لنا أن نقول إننا سئمنا الحديث عن ذلك ونحتاج ببساطة إلى احترام اختياراتنا. فحياتنا ملك لنا وكذلك قراراتنا. وأولئك الذين يحبوننا حقًا سوف يقفون إلى جانبنا ويحترمون اختياراتنا، بغض النظر عما هو شائع.



