كانت درجة حرارة الجو في القطيف يوم السادس والعشرين من شهر شباط/ فبراير فجرًا حوالي 7 درجات مئوية مع رياح شمالية غربية نشطة بسرعة 22 كم/ ساعة ودرجة الحرارة المحسوسة تساوي 3 درجات مئوية، ما يثير الإحساس ببرودة الطقس. في مثل هذا الطقس أوجه رسالة قصيرة لأبنائي الأعزاء.
ابني العزيز: إذا رأيتَ نفسكَ اليوم تحمل شهادة علمية رفيعة، تاجر، عالم، طبيب، مهندس، موظف؛ أي شخص ذا قيمة عالية فذلك يعود في جزءٍ كبير منه إلى أجدادك الفلاحين، أو البحارة، الذين عاشوا كادحين بسطاء وشقوا في البرد والحرّ.
كان لجيل أجدادكَ في مثل هذا الطقس البارد الذي تهب فيه رياح قوية معاناة في البر والبحر. حدّث ما شئتَ عن معاناة البحارة حيث سرعة الرياح أشد وأبرد في الفضاء المفتوح وتقتلع مصائد الأسماك المزروعة من جريد النخل. حدث ما شئتَ عن برودة ماء البحر ومع ذلك لا بدّ من خوض البحر وطلب الرزق! حدث ما شئتَ عن تعب الفلاحين!
قاموسهم الكلامي ملون ومطرّز بالمشقة ومما يتردد على ألسنتهم كلمتا "سبرة" و"سايبة".
في اللغة العربية "السَّبْرَةُ" تعني: الغداة الباردة. أما كلمة "سايبة" فتَعني: التائهة أو الضالة. وكانوا يعنون بذلك الريح شديدة العصف والهبوب، عمياء تسير في كل اتجاه.
كبرنا وتعلمنا وسافرنا إلى أقاصي الأرض، كل ذلك بسبب الجيل الذي حرث الأرض والبحر. جيلٌ مشى حافيَ القدمين لكي نلبس، سهر لكي نرتاح، وبردَ لكي نَدفأ! ملذاتهم وراحتهم قليلة، إن كانوا ارتاحوا أصلًا!
أخبروا أولادكم وبناتكم عن جيل الأجداد والجدات لكي يعرفوا ويقدروا النعمة الكبرى والراحة التي هم فيها، مع أن الحياة لم ولن تصفو لأحد ولكل جيل بحر يخوضه وجبل يرتقيه.
تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما أعْـجَبُ
إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ
إنّ حُزْنًا في ساعةِ المَوْتِ
أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ
ربي يعوض على أمهاتنا وجداتنا لما عاشوه في شقاء ونصب، كما عانى الرجال وكابدوا الفقر المشقة، عانت النساء كذلك!
ابني وابنتي: أولئكَ آباؤك وآبائي فإذا رأينا اليوم أنفسنا نستمتع بأشهى مأكل ونلبس أجملَ ملبس، ونسكن بيوتًا واسعةً فيها أثاث فخم ونركب سيارات غالية فنحن نشكر الله سبحانه وتعالى ولا ننسى أصلنا ومن أين أتينا.
يأتي شهرُ رمضان قريبًا فإن قصّرنا في الوفاء لهم طوال السنة فهلا ذكرناهم في هذا الشهر الذي ترتفع فيه الصلوات والدعوات أملًا أن تُسرّ قلوبهم بما يصلهم. يذكر الإمام علي بن الحسين -عليه السلام- والديه ويدعو لهما بدعاء قيمّ، يقول في بعضه: "اللهم صل على محمد وآله وذريته، واخصص أبويَّ بأفضل ما خصصت به آباء عبادك المؤمنين وأمهاتهم يا أرحم الراحمين، اللهم لا تنسني ذكرهما في أدبار صلواتي، وفي آن من آناء ليلي، وفي كل ساعة من ساعات نهاري".



