عنوان هذا المقال ليس له علاقة بإدمان المواد المخدرة، وإنما له علاقة بالاستهلاك المفرط لبعض الأغذية التي يغلب عليها المعالجات الكيميائية، فالتحدث عن العادات الغذائية السيئة أمر ليس بالسهل تغطيته، ولكن دعوني أمرّ سريعًا على بعض ما نشهده.. بداية وقبل أن نمر على تلك العادات السيئة في الغذاء نقول: لم تعد معارفنا اليوم عن علاقة الغذاء بالصحة والمرض مقتصرة على معارف مبسطة من كون الغذاء هو عنصر النمو والطاقة.. وأن الإفراط فيه يسبب العديد من الأمراض.. إن المعارف قد زادت حتى أصبح هاجس الصحة لمعظم الناس مرتبطًا بنوع الغذاء ومعالجته بالكيماويات، ثم التناول بإفراط.. كل ذلك يسبب أمراضًا عديدة تمسك بخناق الناس .. السمنة .. السكري .. ضغط الدم .. أمراض القلب .. فقر الدم.
هناك شواهد عديدة تربط بين نوعية الغذاء وحالات الإفراط، ابتداءً من التركيز على تناول نوعية من الأغذية والتي قد تؤدي إلى حالة مرضية تشبه الحالة الناجمة عن التأثيرات الجانبية لبعض الأدوية والعقاقير الكيميائية، ولكن، ماذا عن هذه الأغذية وتأثيرها ومدى ارتباطها بالإدمان؟
تعودنا أن يطلق الغذاء على ما نأكله في وجباتنا اليومية المعتادة، لذا فإن الحديث عن مشكلة إدمان الطعام فيه شيء من التعجب!! ورغم التعجب والغرابة فإن معظم الأطعمة المصنّعة في عصرنا الحالي تقع ضمن دائرة الإدمان الغذائي، فهي تحوي مركبات كيماوية يطلق عليها مواد مُضافة، تستخدم بصورة كبيرة في صناعة الأغذية لإعطائها خصائص جذابة.
وكثيرًا ما ينصح اختصاصيو الغذاء بالامتناع أو على الأقل التقليل من تناول مثل هذه الأطعمة التي تحوي تلك المضافات الاصطناعية، وهي مُدوَّنة بشكل واضح على عبوة كل منتج غدائي.
-- الشوكولاته مثلًا.. حبيبة الجميع أطفالًا وكبارًا، وتعد بحق إحدى المتع واللذائذ التي تجعل الشخص يشعر بالنشوة، لوجود مادة أساسية شبه قلوية في ثمرة الكاكاو تدعى «التؤبرومين» وتشبه في جوهرها مادة "الكافيين" الموجودة في القهوة، فمن ذا الذي يستطيع مقاومة إغرائها، في دراسة على 16 شخصًا من فنلندا وإسكتلندا والذين يصفون أنفسهم بأنهم مدمنون على الشوكولاتة ومقارنتهم بـ15 شخصًا يحبون الشوكولاتة لكنهم لا يعدونها ضرورية، أظهرت هذه الدراسة أنه على الرغم من عدم وجود فروق في الاستجابة الفيسيولوجية (أداء أعضاء الجسم وظائفها الطبيعية) لاستهلاك الشوكولاتة، فإن المجموعة الأولى أظهرت إدمانًا حقيقيًا، فقد قاموا بالتهام ضعف الكمية من الشوكولاتة وبدا عليهم سلوك شره مرضي، أيضًا أظهروا نوعًا من الاكتئاب النفسي.
تعد الشوكولاتة من المصادر التي تزود الجسم بكميات كبيرة من السكريات، وتحوي نسبة عالية من المضافات الاصطناعية، ومواد كيميائية أخرى وإن كانت كمياتها قليلة فإن لها آثارًا مهمة، فمن تلك المواد «الثيوبرومين» و«الكافيين» و«الفينيل ايثايل امين» و«السريتونن» لذا فبوجود هذه المواد التي لها تأثيرات معلومة على الجهاز العصبى المركزي. لا شك أن الإكثار من تناول الشوكولاتة يؤدي إلى التنشيط ولها آثار صحية ضارة، وقد أدمن كثير من الناس تناولها.
-- السكر.. هناك دراسة لبعض الشعوب وجدت أنهم يتناولون حوالي 19 ملعقة سكر صغيرة يوميًا يدخل في ذلك السكر الذي يحلى به الشاي والعصير والسكر الموجود في المشروبات الغازية، وكذلك الموجود في الحلويات و .. و .. إلى آخر القائمة المعروفة.
السكر من المواد التي تجذب كثيرًا من الناس ويصنف من المواد الإدمانية، فهو يعطيك إحساسًا بالانتشاء والانبساط عند تناوله دون الحاجة لمواد مخدرة، فعندما يصل السكر إلى الدم يتعامل معه الجسم بأفراز هرمون الإنسولين للسيطرة على ارتفاع السكر، فالجسم لا يحتاج للسكر إلا بكميات بسيطة، ومعظمه يتحول إلى دهون تخزن في الكبد، وعندما تختفي لحظة الانتشاء، يبدأ الدماغ بالبحث عن لحظة أحرى، والسكريات أو الحلويات أو الشوكولاتة أو المشروبات الغازية .. الوسيلة التي تحقق المطلوب.
-- القهوة من المشروبات واسعة الاستهلاك، لها تأثير على جزء المخ المسؤول عن الإدمان، لأن مادة الكافيين في القهوة تحفز الطاقة والنشاط، والاستهلاك المعتدل يجعل الإدمان أمرًا غير قابل الحدوث. لكن استهلاك القهوة بمستويات مرتفعة ولفترات طويلة يسبب إدمانًا أو ما يعرف بـ«متلازمة الاعتماد الحاد عليه» وعلى كل الأحوال فإن مدمني شرب القهوة هو إدمان الكافيين وهو ليس شبيهًا بإدمان الأمفيتامين أو الكوكايين أو المورفين. هناك صفة خاصة للقهوة، فهي مع كونها منبًهًا من المنبهات، فإنها لا تورث متعاطيها ذلك الشعور الذي يصاب به مدمنو المنبهات الأخرى.
-- الوجبات السريعة.. الوجبة المحشوة بالخلطات السرية مثل شطائر الهامبورجر، وقطع الدجاج (Chicken nugget )، والبطاطس المقلية (French Fries )، والذرة المحمصة .. أبرز مكوناتها مضافات اصطناعية كمعززات النكهة التي تعطي الوجبات الطعم الخاص مما تدفع رواد هذه الأماكن وتشدهم إلى تناولها دون ملل!! ماذا يعني ذلك؟! معنى ذلك أنهم يتناولون الوجبة بشكل غير طبيعي .. إنهم يعانون من فقدان السيطرة على سلوكياتهم الغذائية .. إنهم لا يستطيعون التوقف عن التهام الطعام، فالكثير من حالات الإدمان مرتبطة بسلوكيات الشخص نفسه، أي ميله إلى اختيار الأغذية المصنعة أو المعالجة الأكثر في محتواها من المضافات الاصطناعية والمشبعة بفواتح الشهية. إن من شأن هذا السلوك الغذائي أن يضاعف حالة الإفراط في تناولها وهذه هي المشكلة..! فإنه لا شك سوف يؤدي إلى أن يكونوا مدمنين، كونهم يتناولونها كل يوم. لماذا؟ لمذاقها وشكلها، ويعدونها وجبة كاملة وهذا ناتج عن الجهل بما تحتويه، فهذا مكمن الخطر!! فلو ضربنا لذلك مثلًا لوجبة سريعة تحوي همبرجر بالجبن مع أصابع بطاطس مقلية، ومشروب غازي، ونظرنا لما تحوي هذه الوجبة، وقارناها بما يحتاج إليه الشاب يوميًا من عناصر غذائية ضرورية، فإننا نستطيع أن نقرب الصورة للأذهان. هذه الوجبة تحوي سعرات حرارية متراكمة ومحطمة القيمة الغذائية نتيجة القلي الجائر، بجانب ما تحمله من آثار سلبية وتعقيدات التي تنجم من الإفراط في تناولها، وفي الواقع نحن نتناول مضافات وملوثات ومركبات نحن في غنى عنها، نعم هذه الوجبات السريعة التي نتناولها، لها مذاق خاص يميزها عن وجبات البيت. ومهما حاولت الأم أن تعمل وجبة لأبنائها فإنها لا توقف رغباتهم وشهواتهم تجاه ما تقدمه المطاعم السريعة من مأكولات مغلفة بأسرار الطهو التي استقطبت معظم أفراد الأسرة، فهم بشكل عام معتادون أو مدمنون على تناول تلك الوجبات يوميًا، نراها شرًا وخطرًا من الناحية النفسية والصحية.
كيف الخلاص وما النصيحة للمدمنين على الوجبات السريعة؟ لا شك أنه يجب تجنب الإفراط أو التوقف عن تناول تلك الوجبات يوميًا لما في ذلك من خطورة، خصوصًا على القلب، وممن يعانون السكري وفقر الدم المنجلي الأكثر انتشارًا في منطقتنا.
إن المبالغة في استخدام أي شيء مضر، ومن ذلك فإن هناك محاذير .. محاذير وخصوصًا الجدل الذي يثار حول المضافات الاصطناعية ومدى تأثيرها على صحة الإنسان.
تخيل هناك فئة من الناس عاشوا على البيبسي أو الكولا صباحًا وظهرًا وليلًا. هم لا يستطيعون مقاومتها والتخلّص من أضرارها، إصرار عحيب على وجودها على مائدة الطعام. لقد تعودوا على شربها طوال النهار لتروي ظمأهم، كونها البديل الضار للمياه الطبيعية.
-- وهناك الشركات المصنعة لأغذية الأطفال، تضع نصب عينيها إضافة مواد معززة للنكهة والتي لها خصائص حسية جذابة للأطفال، وعلى رأسها ملح أحادي غلوتومات الصوديوم (MSG - E621 ) كنوع من المضافات الغذائية التي ما زالت موضع جدل حول تأثيرها على صحة الإنسان، لكنها تعطي الطعام المذاق والنكهة المميزة. تخيل أن من يتناول تلك الأغذية .. يندفعون نحوها بغريزتهم دون عقلهم!! ولمتعتها دون فائدتها!! ويكفي أن نعرف ميل الأطفال وبشكل مذهل للأغذية الفقيرة والمشروبات الضارة مثل الجلي والحلويات الملونة والشوكولاتة والبفك والشبس والأندومي والبطاطس المقلية بزيوت مهدرجة والمعجنات المليئة ببدائل الزبدة والدسم النباتي .. الميل الشديد لهذه الأغذية والإصرار على تناولها أو التمادي فيها يولد الإدمان.
ومع الأسف الشديد أصبح الأطفال يفضلون مثل هذه المأكولات على الطعام الذي تم إعداده داخل البيت، فهل نترك لهم حرية اختيار فيما يأكلون ويشربون؟ فشهواتهم ورغباتهم لن تتوقف .. هم يلتهمون كميات كبيرة حتى يدمنوا أكلها، إن استهلاك تلك الأغذية الخاوية غذائيًا، تشكل تهديدًا للقلب وإلى مصائب تحمل كل ضرر وفساد وسموم لأجسامهم وبالتالي إضعاف الجهاز المناعي وإلى جعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، لقد استطاع المصنعون أن يحاكوا رغبة الطفل من خلال نقاط ضعفه وهما الطعم والسكر. والنتيجة سيطرت شركات تصنيع الغذاء على رغبات الطفل، والتحكم فيما يأكله.
كثيرًا ما شعرت بالضيق وأنا أشاهد أطفالنا يقدمون على شراء أكياس البطاطس "الشيبس" من البقالة المجاورة للمدرسة ويتناولونها بلذة غريبة، لا شك أنه سلوك سيىء؛ بل وسيىء جدًا، وهذه الفئة العمرية هي التي يصعب التعامل معها، والتساؤل هنا: هل نترك أولادنا يأكلون ما يشتهون؟ أليس باستطاعتنا استبعاد كل ماهو ضار أو غير مفيد؟ وكيف يكون التدخل أو الترويض تجاه ما يحبونه؟ إن الأمر في غاية الوضوح، فلا يكفي أن يندب الأبوان شغف صغارهما لشرب المشروبات الغازية وأكل الحلويات والشيبس، كما لا يكفي لوم المصانع والمدارس والبقالات، بل لا يكفي أن نسخط من انتشار مطاعم الوجبات السريعة، ونعلن حالة الطوارئ الكلامية والتهويلية مع ترك الحبل على الغارب لأبنائنا للذهاب متى شاءوا والتهام ما شاءوا دون قيد أو شرط، بلا وعي أو تربية ودون توجيه، ثم نحمل غيرنا الأخطاء ونشن الحملات غير الواقعية والحلول التي سوف نفشل في تطبيقها، إننا في حاجة إلى دقة في الإجابة عن التساؤلات وحقيقة مقدار الخطورة فيما يُنتج ويعرض علينا من مأكل ومشرب.
تعويد الأطفال على تناول الأغذية المُعدَّة بالمنزل، والجلوس معهم على المائدة، والحد من تناول الحلويات والأطعمة الأخرى، حيث تبين أن "إدمان" الطفل على تناول هذه المواد المحشوة بالمضيفات الاصطناعية تؤدي إلى السمنة والسكري ومشكلات صحية عديدة، وبالتالي ضعف مناعة الطفل لمقاومة الأمراض وتدمر القدرات البدنية والعقلية والتي تقود إلى هلاك جيلنا الحالي من شتى الأعمار. لا بد أن نقدم لهم ما هو صحي ومفيد فقط، وبذلك يتعود الطفل على الأكل الصحي.
ومما لا شك فيه أننا معرضون لهذا الإدمان، والتأثيرات الصحية وليس هناك سبيل لتفاديها، ولكن ما حيلة اختصاصيي الغذاء والأطباء وذوي الثقافة الصحية في هذا العصر الذين أصبحوا يشتكون من المثيرات الغذائية، لقد سيطرت الشركات المصنعة على خيارنا، والتهمت جيوبنا، وابتلعت معها صحتنا .. إننا الآن أمام قوى جبارة تسيطر على طعامنا وغذاء أطفالنا، لقد خرج القرار من أيدينا دون أن ندري!!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات
هناك شواهد عديدة تربط بين نوعية الغذاء وحالات الإفراط، ابتداءً من التركيز على تناول نوعية من الأغذية والتي قد تؤدي إلى حالة مرضية تشبه الحالة الناجمة عن التأثيرات الجانبية لبعض الأدوية والعقاقير الكيميائية، ولكن، ماذا عن هذه الأغذية وتأثيرها ومدى ارتباطها بالإدمان؟
تعودنا أن يطلق الغذاء على ما نأكله في وجباتنا اليومية المعتادة، لذا فإن الحديث عن مشكلة إدمان الطعام فيه شيء من التعجب!! ورغم التعجب والغرابة فإن معظم الأطعمة المصنّعة في عصرنا الحالي تقع ضمن دائرة الإدمان الغذائي، فهي تحوي مركبات كيماوية يطلق عليها مواد مُضافة، تستخدم بصورة كبيرة في صناعة الأغذية لإعطائها خصائص جذابة.
وكثيرًا ما ينصح اختصاصيو الغذاء بالامتناع أو على الأقل التقليل من تناول مثل هذه الأطعمة التي تحوي تلك المضافات الاصطناعية، وهي مُدوَّنة بشكل واضح على عبوة كل منتج غدائي.
-- الشوكولاته مثلًا.. حبيبة الجميع أطفالًا وكبارًا، وتعد بحق إحدى المتع واللذائذ التي تجعل الشخص يشعر بالنشوة، لوجود مادة أساسية شبه قلوية في ثمرة الكاكاو تدعى «التؤبرومين» وتشبه في جوهرها مادة "الكافيين" الموجودة في القهوة، فمن ذا الذي يستطيع مقاومة إغرائها، في دراسة على 16 شخصًا من فنلندا وإسكتلندا والذين يصفون أنفسهم بأنهم مدمنون على الشوكولاتة ومقارنتهم بـ15 شخصًا يحبون الشوكولاتة لكنهم لا يعدونها ضرورية، أظهرت هذه الدراسة أنه على الرغم من عدم وجود فروق في الاستجابة الفيسيولوجية (أداء أعضاء الجسم وظائفها الطبيعية) لاستهلاك الشوكولاتة، فإن المجموعة الأولى أظهرت إدمانًا حقيقيًا، فقد قاموا بالتهام ضعف الكمية من الشوكولاتة وبدا عليهم سلوك شره مرضي، أيضًا أظهروا نوعًا من الاكتئاب النفسي.
تعد الشوكولاتة من المصادر التي تزود الجسم بكميات كبيرة من السكريات، وتحوي نسبة عالية من المضافات الاصطناعية، ومواد كيميائية أخرى وإن كانت كمياتها قليلة فإن لها آثارًا مهمة، فمن تلك المواد «الثيوبرومين» و«الكافيين» و«الفينيل ايثايل امين» و«السريتونن» لذا فبوجود هذه المواد التي لها تأثيرات معلومة على الجهاز العصبى المركزي. لا شك أن الإكثار من تناول الشوكولاتة يؤدي إلى التنشيط ولها آثار صحية ضارة، وقد أدمن كثير من الناس تناولها.
-- السكر.. هناك دراسة لبعض الشعوب وجدت أنهم يتناولون حوالي 19 ملعقة سكر صغيرة يوميًا يدخل في ذلك السكر الذي يحلى به الشاي والعصير والسكر الموجود في المشروبات الغازية، وكذلك الموجود في الحلويات و .. و .. إلى آخر القائمة المعروفة.
السكر من المواد التي تجذب كثيرًا من الناس ويصنف من المواد الإدمانية، فهو يعطيك إحساسًا بالانتشاء والانبساط عند تناوله دون الحاجة لمواد مخدرة، فعندما يصل السكر إلى الدم يتعامل معه الجسم بأفراز هرمون الإنسولين للسيطرة على ارتفاع السكر، فالجسم لا يحتاج للسكر إلا بكميات بسيطة، ومعظمه يتحول إلى دهون تخزن في الكبد، وعندما تختفي لحظة الانتشاء، يبدأ الدماغ بالبحث عن لحظة أحرى، والسكريات أو الحلويات أو الشوكولاتة أو المشروبات الغازية .. الوسيلة التي تحقق المطلوب.
-- القهوة من المشروبات واسعة الاستهلاك، لها تأثير على جزء المخ المسؤول عن الإدمان، لأن مادة الكافيين في القهوة تحفز الطاقة والنشاط، والاستهلاك المعتدل يجعل الإدمان أمرًا غير قابل الحدوث. لكن استهلاك القهوة بمستويات مرتفعة ولفترات طويلة يسبب إدمانًا أو ما يعرف بـ«متلازمة الاعتماد الحاد عليه» وعلى كل الأحوال فإن مدمني شرب القهوة هو إدمان الكافيين وهو ليس شبيهًا بإدمان الأمفيتامين أو الكوكايين أو المورفين. هناك صفة خاصة للقهوة، فهي مع كونها منبًهًا من المنبهات، فإنها لا تورث متعاطيها ذلك الشعور الذي يصاب به مدمنو المنبهات الأخرى.
-- الوجبات السريعة.. الوجبة المحشوة بالخلطات السرية مثل شطائر الهامبورجر، وقطع الدجاج (Chicken nugget )، والبطاطس المقلية (French Fries )، والذرة المحمصة .. أبرز مكوناتها مضافات اصطناعية كمعززات النكهة التي تعطي الوجبات الطعم الخاص مما تدفع رواد هذه الأماكن وتشدهم إلى تناولها دون ملل!! ماذا يعني ذلك؟! معنى ذلك أنهم يتناولون الوجبة بشكل غير طبيعي .. إنهم يعانون من فقدان السيطرة على سلوكياتهم الغذائية .. إنهم لا يستطيعون التوقف عن التهام الطعام، فالكثير من حالات الإدمان مرتبطة بسلوكيات الشخص نفسه، أي ميله إلى اختيار الأغذية المصنعة أو المعالجة الأكثر في محتواها من المضافات الاصطناعية والمشبعة بفواتح الشهية. إن من شأن هذا السلوك الغذائي أن يضاعف حالة الإفراط في تناولها وهذه هي المشكلة..! فإنه لا شك سوف يؤدي إلى أن يكونوا مدمنين، كونهم يتناولونها كل يوم. لماذا؟ لمذاقها وشكلها، ويعدونها وجبة كاملة وهذا ناتج عن الجهل بما تحتويه، فهذا مكمن الخطر!! فلو ضربنا لذلك مثلًا لوجبة سريعة تحوي همبرجر بالجبن مع أصابع بطاطس مقلية، ومشروب غازي، ونظرنا لما تحوي هذه الوجبة، وقارناها بما يحتاج إليه الشاب يوميًا من عناصر غذائية ضرورية، فإننا نستطيع أن نقرب الصورة للأذهان. هذه الوجبة تحوي سعرات حرارية متراكمة ومحطمة القيمة الغذائية نتيجة القلي الجائر، بجانب ما تحمله من آثار سلبية وتعقيدات التي تنجم من الإفراط في تناولها، وفي الواقع نحن نتناول مضافات وملوثات ومركبات نحن في غنى عنها، نعم هذه الوجبات السريعة التي نتناولها، لها مذاق خاص يميزها عن وجبات البيت. ومهما حاولت الأم أن تعمل وجبة لأبنائها فإنها لا توقف رغباتهم وشهواتهم تجاه ما تقدمه المطاعم السريعة من مأكولات مغلفة بأسرار الطهو التي استقطبت معظم أفراد الأسرة، فهم بشكل عام معتادون أو مدمنون على تناول تلك الوجبات يوميًا، نراها شرًا وخطرًا من الناحية النفسية والصحية.
كيف الخلاص وما النصيحة للمدمنين على الوجبات السريعة؟ لا شك أنه يجب تجنب الإفراط أو التوقف عن تناول تلك الوجبات يوميًا لما في ذلك من خطورة، خصوصًا على القلب، وممن يعانون السكري وفقر الدم المنجلي الأكثر انتشارًا في منطقتنا.
إن المبالغة في استخدام أي شيء مضر، ومن ذلك فإن هناك محاذير .. محاذير وخصوصًا الجدل الذي يثار حول المضافات الاصطناعية ومدى تأثيرها على صحة الإنسان.
تخيل هناك فئة من الناس عاشوا على البيبسي أو الكولا صباحًا وظهرًا وليلًا. هم لا يستطيعون مقاومتها والتخلّص من أضرارها، إصرار عحيب على وجودها على مائدة الطعام. لقد تعودوا على شربها طوال النهار لتروي ظمأهم، كونها البديل الضار للمياه الطبيعية.
-- وهناك الشركات المصنعة لأغذية الأطفال، تضع نصب عينيها إضافة مواد معززة للنكهة والتي لها خصائص حسية جذابة للأطفال، وعلى رأسها ملح أحادي غلوتومات الصوديوم (MSG - E621 ) كنوع من المضافات الغذائية التي ما زالت موضع جدل حول تأثيرها على صحة الإنسان، لكنها تعطي الطعام المذاق والنكهة المميزة. تخيل أن من يتناول تلك الأغذية .. يندفعون نحوها بغريزتهم دون عقلهم!! ولمتعتها دون فائدتها!! ويكفي أن نعرف ميل الأطفال وبشكل مذهل للأغذية الفقيرة والمشروبات الضارة مثل الجلي والحلويات الملونة والشوكولاتة والبفك والشبس والأندومي والبطاطس المقلية بزيوت مهدرجة والمعجنات المليئة ببدائل الزبدة والدسم النباتي .. الميل الشديد لهذه الأغذية والإصرار على تناولها أو التمادي فيها يولد الإدمان.
ومع الأسف الشديد أصبح الأطفال يفضلون مثل هذه المأكولات على الطعام الذي تم إعداده داخل البيت، فهل نترك لهم حرية اختيار فيما يأكلون ويشربون؟ فشهواتهم ورغباتهم لن تتوقف .. هم يلتهمون كميات كبيرة حتى يدمنوا أكلها، إن استهلاك تلك الأغذية الخاوية غذائيًا، تشكل تهديدًا للقلب وإلى مصائب تحمل كل ضرر وفساد وسموم لأجسامهم وبالتالي إضعاف الجهاز المناعي وإلى جعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، لقد استطاع المصنعون أن يحاكوا رغبة الطفل من خلال نقاط ضعفه وهما الطعم والسكر. والنتيجة سيطرت شركات تصنيع الغذاء على رغبات الطفل، والتحكم فيما يأكله.
كثيرًا ما شعرت بالضيق وأنا أشاهد أطفالنا يقدمون على شراء أكياس البطاطس "الشيبس" من البقالة المجاورة للمدرسة ويتناولونها بلذة غريبة، لا شك أنه سلوك سيىء؛ بل وسيىء جدًا، وهذه الفئة العمرية هي التي يصعب التعامل معها، والتساؤل هنا: هل نترك أولادنا يأكلون ما يشتهون؟ أليس باستطاعتنا استبعاد كل ماهو ضار أو غير مفيد؟ وكيف يكون التدخل أو الترويض تجاه ما يحبونه؟ إن الأمر في غاية الوضوح، فلا يكفي أن يندب الأبوان شغف صغارهما لشرب المشروبات الغازية وأكل الحلويات والشيبس، كما لا يكفي لوم المصانع والمدارس والبقالات، بل لا يكفي أن نسخط من انتشار مطاعم الوجبات السريعة، ونعلن حالة الطوارئ الكلامية والتهويلية مع ترك الحبل على الغارب لأبنائنا للذهاب متى شاءوا والتهام ما شاءوا دون قيد أو شرط، بلا وعي أو تربية ودون توجيه، ثم نحمل غيرنا الأخطاء ونشن الحملات غير الواقعية والحلول التي سوف نفشل في تطبيقها، إننا في حاجة إلى دقة في الإجابة عن التساؤلات وحقيقة مقدار الخطورة فيما يُنتج ويعرض علينا من مأكل ومشرب.
تعويد الأطفال على تناول الأغذية المُعدَّة بالمنزل، والجلوس معهم على المائدة، والحد من تناول الحلويات والأطعمة الأخرى، حيث تبين أن "إدمان" الطفل على تناول هذه المواد المحشوة بالمضيفات الاصطناعية تؤدي إلى السمنة والسكري ومشكلات صحية عديدة، وبالتالي ضعف مناعة الطفل لمقاومة الأمراض وتدمر القدرات البدنية والعقلية والتي تقود إلى هلاك جيلنا الحالي من شتى الأعمار. لا بد أن نقدم لهم ما هو صحي ومفيد فقط، وبذلك يتعود الطفل على الأكل الصحي.
ومما لا شك فيه أننا معرضون لهذا الإدمان، والتأثيرات الصحية وليس هناك سبيل لتفاديها، ولكن ما حيلة اختصاصيي الغذاء والأطباء وذوي الثقافة الصحية في هذا العصر الذين أصبحوا يشتكون من المثيرات الغذائية، لقد سيطرت الشركات المصنعة على خيارنا، والتهمت جيوبنا، وابتلعت معها صحتنا .. إننا الآن أمام قوى جبارة تسيطر على طعامنا وغذاء أطفالنا، لقد خرج القرار من أيدينا دون أن ندري!!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات



