12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الهدى الغائب الحاضر الفائز 

عنوان يدعو للتساؤل، كيف يكون الهدى غائبًا حاضرًا فائزًا؟ جملة تحمل مفارقة عجيبة، وهنا لا وجه للغرابة، لأن الحياة تتناسل منها المفارقات فتخلق تحديًا للبشر في الحياة، وكم تتكرر المفارقات في المناسبات رياضية، قد تكون غير مستعد لبطولة ما وفي الختام تظفر بها، وقد تبذل قصارى جهدك على أكمل وجه وتعد العدة وفي النهاية تخسر! شواهد محملة بالمفارقات، زاخرة بأحداث جسام، خالفت كل التوقعات، فكم من فريق كان خارج الحسابات وبعيدًا عن الترشيحات فجأة تبصره العيون على منصات التتويج بطلًا.

وقد يلتقي فريق ضعيف بضعيف، ويتواجه قوي بقوي  وتظل احتمالات الفوز والخسارة واردة لكلا الطرفين في أية لحظة من عمر وقت المباراة. هي متعة الكرة، يكمن فيها سحر المفاجأة، قد تذهب كل الترشيحات لصالح فريق معين ويتسيد المباراة وفي النهائية تأتي النتيجة على غير المتوقع وبعيدًا عن الرهان! لكن من النادر جدًا أن يتفوق فريق ضعيف متهالك على قوي متماسك.

هذه التوصيفات تقودنا إلى أهمية الاستعداد البدني والتحضير النفسي والاختبار الفني وتهيئة مكامن القوة وتعزيز روح الفريق الواحد، هي أسس حتمًا ستدفع الفوز قدمًا إذا ما كان اليوم فسوف يتحقق غدًا وقد يتأخر كثيرًا وربما يأتي ولو بعد حين. 

استهلال بما يحمله من أمثلة إيجابية جسدها فريق كرة اليد بنادي الهدى منذ أن بزغ نجمه في دوري كرة اليد متدرجًا من الأولى ثم الممتاز، وسار على درب التحدي، وبدأ يقارع الكبار حتى تفوق عليهم وهم الأقدم منه خبرة وأعمق تجربة، وما الانتصارات الأخيرة التي حققها الوردي إلا خير دليل على ذلك حيث حصل على المركز الثاني في دوري العام الماضي وخطف كأس السوبر وحقق الميدالية الذهبية للألعاب السعودية بالرياض، كل هذه الإنجازات المتلاحقة وضعت اسم الهدى في سماء كرة اليد السعودي وبات اسم جزيرة تاروت المكان الذي ينتسب إليه ترويجًا وتسويقًا سياحيًا عند الجماهير الرياضية على مستوى المملكة، بل زادت شعبيته محليًا بشكل لافت عند الصغير والكبير وحتى عند اللاعبين والإداريين القدامى.

كل ذلك مشهود ومحمود وسال على إثره المداد سطورًا وبحت الحناجر ابتهاجًا. لكن ما حال الهدى اليوم؟ تساؤل يثار عند المتيمين بحب النادي والحريصين على مستقبله، بأن ثمة توجسًا وخشية من التغيرات التي طرأت على بنيته الفنية، بالإضافة لإشكالات الأمور المادية التي هي عصب الحراك الرياضي، فمع بداية انطلاقة الدوري والحد الآن بدأ الوردي في الشهور المنصرمة كأنه يؤدي المباريات بجهد جهيد بل يعاني على المستويين الفني والتدريبي بعد أن صرف النظر عن المدرب السابق "جيجا"، رغم الاختلاف حول توجهاته فالرجل له إنجازه مثلما كان المدرب الوطني فاضل آل سعيد قبله، هذا التقلب المربك واستبعاد لاعبين وإحضار آخرين بات الثبات محل اهتزاز بخسارات النقاط تلو النقاط.

حتى المتفائلين منقسمون، بعضهم يقول: لم يعد الهدى بذلك الفريق الكاسح أو المنافس القوي المأمول منه قدمًا بتحسن الوضع، بات يتأرجح بين فوز بالكاد يترجم حسمًا بفارق ضئيل من الأهداف، وقد أسفر لقاءان بتعادلين من فريق الأهلي والابتسام، وخسارتين من فرق المقدمة من مضر والخليج، حتى أصبح خلف الفرق الأربعة في ترتيب الدوري السعودي لكرة اليد، محتلًا المركز الخامس! لكنهم يحدوهم الأمل بتغير الصورة.

وآخرون متفائلون جدًا ولا يجدون غضاضة في كل ما يحصل معتبرين الأمر بمنزلة إعادة لترتيب البيت والدوري لم يزل في منتصفه وفارق النقاط ليس كبيرًا بين الخامس والرابع والثالث والثاني فقط نقطة واحدة تفصل الواحد عن الآخر، بالإمكان أن يمضي الهدى قدمًا ويحسن وضعية مركزه وربما هذا التراجع وقتي وسوف يخلق تحديًا ويكون غدًا في المقدمة.

ولن نأخذ برأي المتشائمين بل أقول على لسان من بهم خشية على الفريق وأنقل وجهة نظرهم، بأن الأمر قد يبدو  مقلقًا بالنسبة لجماهير الهدى عمومًا الذي تجرعت طعم الفوز والتفوق بانتصارات خلال الثمانية أشهر الماضية والتي لم يعهدها النادي منذ تأسيسه.

بهذا الوضع إذا استمر على ما هو عليه الحال بنزف النقاط سوف يخسر الدخول في حلبة البطولات القادمة، منها على سبيل المثال دورة النخبة وكأس السوبر وغيرها وحتى المكافأة المادية سوف تتقلص طالما يقبع الهدى خارج نطاق الأربعة الكبار، فوق كل هذا سأعود مرة أخرى لنقطة جوهرية أشرت إليها في السطور الماضية تدركها إدارات الأندية وتعاني منها وهي (المسائل المادية) هي مربط الفرس، وما نشهده من تقهقر الكثير من أندية المنطقة بسبب وضعها المادي المتدهور فلم تستطع مواصلة الكثير من ألعابها مما انعكس على حراكها الرياضي سلبًا. 

وإحقاقًا للحق قامت إدارة نادي الهدى الحالية مؤخرًا باجتماع موسع دعت فيه رجال الأعمال والمقتدرين للتبرع بما تيسر لهم، وبالفعل استجابوا مشكورين وقد جمع مبلغ يقارب المليون ريال لسد عجز هنا وهناك، وقد أعلن عن ذلك في الصحف الإلكترونية المحلية، ونقول بالفم الملآن تحية من القلب لرجالات البلد وكل متبرع صغر أو كبر حجم دعمه فأنتم بعد الله وهيئة الرياضة السعودية السند والدافع والرافد لرفعة النادي بل التقليل من حجم ديونه الثقال، إذا استمر دعمكم فالنادي بألف خير، بالمقابل هناك من يقدم دعمًا فكريًا ولديه خطط رائعة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وفي الختام همسة في أذن المخلصين والقريبين من صنع القرار في النادي، هناك مثلان عربيان يقولان: (من اعتد برأيه ضل) و(ماخاب من استشار)، ما أحلى سماع أصحاب الآراء النيرة العارفين ببواطن الأمور وعدم التقليل من شأنهم، هم صانعو تاريخ نادي الهدى الذي جاوز عمره 55 عامًا، كم دفعوا من وقتهم وسال من عرقهم الكثير ودفعوا من مالهم في سبيل رقي ورفعة الهدى، فالنادي ليس ملكًا لفرد أو جماعة معينة، هو لأبناء تاروت كافة، ويجب التفريق بين الكلام الذي يلقى على عواهنه غير الموزون، والكلام النابع بحب وعقلانية، ولفتة أخرى  بألا تضيق صدورنا حتى بالأقوال المنفعلة فهي وقتية وتأتي نتيجة للحرص المبالغ فيه، فنحن لسنا بأفضل حال من أندية المملكة الكبار لكرة القدم فكم يوجه لها نقد لاذع وقاس من مشجيعها ضد الإدارات وأعضائها في جميع منصات التواصل الاجتماعي وحتى في الصحف والقنوات الرياضية، فالمسؤول الرياضي حسب موقعه يكون في موقف لا يحسد عليه خصوصًا عند تردي النتائج.

يا إدارة الهدى الموقرة وبكل أريحية يجب النظر بإنصاف وعدل لأقوال الغيارى وتثمين الآراء والمقترحات الصادقة من ذوي الخبرة والنظر إليهم بحسبان حتى تبحر سفينة الهدى بأمان واطمئنان.

ما أعجبك يا هدى رغم التوجس والتخوف وتراجع مستواك عن ذي قبل لكونك متأخرًا في ترتيب الدوري وكأنك شبه غائب محليًا إلا أنك حضرت خارجيًا وبعنفوان وألق وكسبت الرهان بخطف كأس السوبر السعودي البحريني كأول فريق سعودي، إنجاز أتى على حين غفلة ولم يتوقعه أحد إلا المهووسين بحب النادي الذين شدوا الرحال لأرض دلمون، مكتسين شعار الوردي ولم يتوقفوا عن التشجيع لحظة واحدة، وبالفعل تحقق لهم حلم المراد، إنجاز مبهج بكل المقاييس تحقق على الفائز بالبطولة ذاتها العام الماضي وعلى أرضه ووسط جماهيره!

نتمنى مخلصين بأن هذا الإنجاز الذي حدث قبل أسبوع أن يكون دافعًا ومصححًا لجملة من الأخطاء التي حدثت عن غير قصد، فوز سيدفع الروح المعنوية قدمًا ويعيد ترتيب الهدى في تحسين مركزه ضمن الدوري الممتاز لكرة اليد، ليواصل حضوره على منصات التتويج، بحسن النوايا والتسامح والتكاتف وروح العمل الواحد سيظفر الجميع بإذن الله بقطف الثمار. 


error: المحتوي محمي