في أحضان السكون، حيث يتعرّى الزمن من حقيقته، تتساقط الذكريات كأوراقٍ بلا جذر. لا أحد يعلم ما الذي يسكن فيما وراء صمتنا. هل هو العدم الذي يرقبنا بعيونٍ غير مرئية، أم هو الوجود ذاته، يتنفس ببطء، مترددًا في أن يصبح؟
هل نحن من نُديرُ عقاربَ الساعة، أم أن الساعة هي التي تُرشدنا عبر ممرات لا تُرى؟ في كل خطوة، نصطدم بالمرايا التي لا تعكس سوى ظلالنا، ننظر إليها كما لو كنا غرباء. هل يعقل أن يكون هذا هو ما نراه من أنفسنا؟ أو ربما، نحن فقط الوهم الذي يراه الآخرون في عيونهم؟
في قلب كل فكرة، هناك فراغٌ عميقٌ يلتهم أي معنى قد ينبثق. وما زال السؤال قائمًا: هل للوجود وزن؟ وهل الذاكرة أكثر من مجرد صدى ضائع في هواء الزمن؟ في كل لحظةٍ، يختفي الماضي كما لو لم يكن، ونصير نحن الأثر الذي يتركه بعده في الوهم.
الروح، ذلك الكائن الذي لا يسكن إلا في الفراغ، تنزف في صمتٍ لم يتكلم من قبل. أهو ألم الفهم، أم هو النور الذي يبتعد عن مدار العقل؟ نحن نصلي في محراب الوجود كما يصلي الواقف في عتمة المجهول، نطلب من الظلام أن يُرشدنا، ولكننا ندرك في أعماقنا أنه لا إضاءة في العدم.
كل خطوة نقوم بها هي محاولة للتغلب على الفراغ، ولكننا نعلم جيدًا أن الفراغ هو ما يُكوِّننا. لا شيء ثابت، كل شيء في حركة دائمة، يتغير حتى وإن ظننا أننا نمضي في مسارٍ واضح. إن كل إجابة تفتح أبواب أسئلة لا تنتهي، وهكذا نبقى في دائرةٍ لا نعرف أين تنتهي.
ثم يأتي الألم، ليس كعقاب، بل كعطرٍ يملأ المسافة بين الذات والمجهول. فهل نبحث عن الأمان في المجهول، أم أننا نخاف أن نعرف ما يكمن وراءه؟ كل شيء هو لغزٌ، وكل حلٍ يؤدي إلى مزيدٍ من الأسئلة.



