قال تعالى: (وإذ أسرّ النبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض.. الآية) [آية رقم 3 - سورة التحريم - القرآن الكريم].
المقدمة:
سألني أحد الأصدقاء عن تفسير وسِرْ الرّاحة النفسية عند الفرد عندما يروي بعض الأحداث المرتبطة بحياته الشخصية.
ثمة تفسيرات عديدة هنا تحكم الموضوع، لا يمكن التعويل على تفسير واحد منها لتفسير كل الأحداث.
أول هذه التفسيرات هو: أنه ربما تأتي الراحة النفسية، جرّاء تذكر الماضي والأماكن التي كان يعيش فيها الفرد خصوصًا، بما كانت تحتويه من مشاعر طفولية جميلة وملونة وممتعة، وشقاوة الطفولة وألعاب ومرح الطفولة، يعيد الفرد إلى حيث ذلك الجو الممتع الجميل، فالعودة إليه (خياليًا) تبعث في النفس نوعًا من الراحة المؤقتة.
وقد تكون الراحة نابعة من كونه انتصارًا لشخصيات محددة يعتقد أنها كانت مظلومة، وربما يكون هو واحد منهم، أو انعكاس شعور التغلب والانتصار وأخذ الثأر من شخصيات كانت (من وجهة نظره) ظالمة ظلمته، أو ظلمت أحد أقاربه، أو أسرته، أو خاب أمله فيها. لم تكن أهلًا للثقة.
وربما يكون الكاتب أو المتحدث قد روى الأحداث خلاف ما جرت عليه. وتدخل فيها من حيث الزيادة أو النقيصة.
أو ربما تدخل في ترتيب الأحداث، فلعب في تقديم حدث على آخر مما يؤدي إلى الانتصار إلى شخصه. وربما جاء بالأحداث ناقصة لكي يتجنب الإحراج من المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
وتتعدد هذه الجوانب وهو ما يشير إلى تعقد النفس الإنسانية، وتصرفاتها في الأحداث والمشاكل، إلى درجة أننا لا يمكن أن نضع قانونًا بشريًا يحكم جميع التصرفات البشرية.
السؤال هنا: هل لهذا الإبداع (إن سميناه إبداعًا) وهل لهذا التدخل في رواية الأحداث اسم معين؟ (بلغة أخرى) ماذا يمارس الكائن البشري بالضبط؟
(الجواب) إذا روى الفرد رواية عن نفسه وأخفى بعض التفاصيل (المعالم)، فهو هنا إما أنه يمارس الكبت على نفسه في إخفاء بعض ما يشعر به من ألم، أو أنه يخفي ما هو محرج له من الناحية الاجتماعية.
المشكلة أنه يحدث (في كثير من الأحيان) أن يمارس الفرد (ذكرًا كان أو أنثى) هذا التشويه للقصة أمام الأخصائي أو المعالج الذي يحاول مساعدته.
والأخطر من ذلك هو أن يمارس الفرد تشويه ما جرى من أحداث على صورة معاكسة لما جرى كل ذلك، وتسمى عمليات الدفاع عن الذات أو الحيل الدفاعية
ولا نسميه كذبًا لأننا لسنا في صدد إصدار حكم قيمي، بقدر ما هو تأمل، وتعلم، ووصف، لحال النفس البشرية وتصرفها تجاه الأحداث والمخاطر الحدقة بها.
وأصبحت الحالة أخطر عندما يجري هذا الخداع وهذا التشويه للحقيقة والواقع لا شعوريًا. والفارق كبير عندما يجري الأمر بشكل شعوري، فهو يمارس ذلك وهو يعلم أنه يقول خلاف الواقع.
الفرد هنا يتحدث عما جرى بخلاف الواقع وهو مصدق لذاته ويشعر بشيء من الانتصار والراحة النفسية كونه روى الحادثة بهذه الطريقة.
لكن ذلك لا يصمد عندما يفصح اللا شعور عن ذلك وهو ما مارسه (وقام به) عالم النفس فرويد في جلسات التداعي الحر ليكشف حقيقة ما يعاني منه بعض المرضى.
سيجموندفرويد يرى أن معظم الجهاز النفسي موجود في اللاشعور، وهو يحوي ما هو كامن ويصعب استدعاؤه لأن قوى الكبت تعارض عملية استدعاء هذه الخبرات من اللاشعور. ويرى أن المكبوتات تسعى إلى شق طريقها من اللاشعور إلى الشعور عن طريق الأحلام.
وعالج بعض المرضى عن طريق التخاطب مع اللاشعور، والإفصاح عنه حتى لو كان مؤلمًا. وذلك عن طريق أحد أساليب فرويد الأكثر شهرة، وهو أسلوب التداعي الحر.
والحقيقة أن الله أودع في الإنسان مجموعة من القدرات العقلية والجسمية وأعطاه الحرية في التعامل فيها مع جميع الظروف والأحوال ومواجهة المشكلات جميعها.
إن جميع عناصر الحياة مسخرّة تحت أمر هذا الإنسان، ليعيش بسلام مع جميع ما يحيط به من أشياء خصوصًا ما يتعلق منها بالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.
لذلك أصبح من نافل القول أن نعتقد أن الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين يواجهون الكثير من الصعوبات في جميع محطات العلاج النفسي والاجتماعي مهما امتدت خبرة هذا المعالج. من هنا أصبح الحديث مقبولًا في عدم الاكتفاء بالتقسيمات المقولبة للأمراض النفسية خصوصًا من أولئك الاختصاصيين المحترفين من خارج الطب النفسي.
لو تسنى لنا الاطلاع على تسجيلات بعض الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في الجلسات العلاجية (العيادية) لوجدنا العجب العجاب من خلال التشخيص فالتشخيص لدى الاختصاصيين المحترفين، لا يمكن أن يأتي في جلسة واحدة فلربما خرج الاختصاصي بتشخيص أول، وتشخيص ثانٍ، وتشخيص ثالث ورابع. فما الذي يجري في هذه الأثناء؟ مع أن المريض واحد، ويختلف التشخيص من جلسه إلى أخرى وفي أحسن الأحوال نجد أن الاختصاصي سجل مجموعة من الاحتمالات لحالة واحدة، لذلك وبالرغم من التقدم الواسع في العلاج العقلي السلوكي إلا أنه جاء قسم من العلماء من يدعو إلى تغيير قالب صياغة الحالة المعمول بها حاليًا، والذهاب إلى مصطلح أكثر مرونة وملاءمة للحالات الإنسانية المعقدة أطلق عليه في ذلك الوقت فهم الأشخاص في سياق مشكلاتهم.
understanding peersons in the context of their problems. UPCP.
ويندي درايدن
المصدر: مايكل بروش فرانك بوند (من التشخيص إلى صياغة الحالة مناحٍ وأمثلة عيادية في العلاج الذهني السلوكي) ترجمة الدكتور فلاح العنزي والدكتور شرف الدين الملك
إصدار رقم 2 جامعة تبوك 1434 هج - الصفحات (من 63 إلى 98) - المملكة العربية السعودية.
ومن أهداف المقال الإطلالة على بعض الحيل الدفاعية التي يستخدمها الإنسان للدفاع عن ذاته، عندما تواجهه الصعوبات، وهذه أهم ميزة عند الإنسان، وهو القدرة على الظهور بشكل مخالف للواقع الذي يعانيه أو يعايشه. وليس من مسؤولية الاختصاصي النفسي أو الاجتماعي الحفر عن أغوار الجروح العميقة، التي يود العميل سترها، إلا بما يساعد على علاجه.
يستخدم الاختصاصيون الأساليب العلمية،والعملية والعلاقات المهنية، متكئين على تراث عظيم من النظريات والأساليب لمساعدة العميل، على فهم ما يجري في داخله وفهم البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.
وأهم ما في هذه الأساليب أنها تحاول إشراك العميل في وضع يده على المشكلات التي يعاني منها.
سنلقي بعض الضوء على بعض ردود الفعل البشرية تجاه المشكلات التي يتعرضون لها.
العدوان والإحباط
العدوان موضوع كبير، وكثير التفاصيل ولكن اختصارًا نقول بأن العدوان بحسب بعض العلماء هو رد فعل قوي تجاه الإحباط. فإما أن يكون العدوان تجاه من يسبب العدوان للفرد ويسمى (حينئذِ) المباشر، أو قريب لمن سبب العدوان ويسمى حينئذ بالعدوان المزاح فالمعلم يحبط من المدير، فيوجه عدوانه نحو الطلبة، والمرأة تحبط من زوجها فتوجه عدوانها على الأطفال وتقسو عليهم.
الخطير في موضوع العدوان هو أنه إذا انعكس كاستجابة تجاه الذات وهنا ينبغي تدريب الأفراد على إستراتيجية (توقف، تفهم، فكر قليلًا، تجنب، لا تستجب مباشرة)، ومع ذلك فقد تكون هناك استجابات مختلفة عند الأفراد، لا تكون بالضرورة ردة الفعل هذه مشابهة للعدوان ذاته.
نذكرها بإختصار (اللامبالاة، الانسحاب، الخيالات، التنميط، النكوص).
ميكانزمات الدفاع عن الذات:
أطلق فرويد مصطلح ميكانيزمات للتعبير عن وسائل الدفاع عن الذات إشارة إلى العمليات اللاشعورية للإنسان، سنضع هنا بعض التفاصيل عن هذه الميكانيزمات علمًا بأن العلماء ليسوا متفقين عليها وهي مذكورة في بعض مصادر علم النفس مثل (الكبت، والتبرير، والإعلاء، والإزاحة، والتقمص، ورد الفعل العكسي، والإسقاط).
لكن العالم النفسي هليجارد وهو عالم نفس أمريكي شهير وضع 3 مرتكزات أساسية لفهم ميكانيزمات الدفاع وهي:
1/ ميكانيزمات الدفاع لا تتعدى كونها مفاهيمًا سيكولوجية فقط غير مدعمة ببراهين تجريبية، ولكنها كلها مفيدة في تلخيص ما نعتقد أنه يحدث عندما نراقب السلوك.
2/ إن تسمية سلوك الفرد بأنه إسقاطي أو تبريري قد يزودنا بمعلومات وصفية مفيدة عن الفرد ولكن هذه المعلومات لا تفسر لنا السلوك، بمعنى أنها لا تجيب عن السؤال لماذا يسلك الفرد هذه الطريقة، إن مثل هذا التفسير يحتاج إلى معرفة الحاجات التي تجعل الفرد يلجأ إلى ميكانيزمات الدفاع عند التعامل مع مشاكله.
3/ كل الدفاعات توجد في السلوك اليومي للإنسان السوي، فهي وسائل مفيدة في التكيف واستخدامها، باعتدال يزيد من درجة رضا الفرد على أمور حياته أما عندما تصبح هذه الدفاعات عبارة عن طرائق سائدة . في حل المشكلات فإنها عندئذ تدل على سوء تكيف في الشخصية.
الإسقاط:
هناك خصائص لا يحب الفرد أن يعترف بوجودها لديه، وأحد الميكانيزمات التي تحقق هذا الغرض هو إسقاطها على الآخرين فالبخيل يتهم الناس بالبخل فهو يبرر سلوكه باتهام الآخرين.
رد الفعل العكسي:
وهذا يعني أن الإنسان عندما يريد أن يخبئ دافعًا معينًا عن طريق إظهار عكسه فالبخيل يخفي بخله، عن طريق زيادة العطاء. وكذلك إن مدعي رحمة الحيوانات أي حماية الحيوانات ضد القسوة يكونون هم أنفسهم من النوع القاسي على الحيوانات.
الإزاحة أو الإعلاء
إذا أعيق تحقيق أو إشباع دافع معين فالفرد يحاول تحقيق ذلك عن طريق آخر يكون في العادة مقبولًا اجتماعيًا وأخلاقيًا.
إن الدوافع الجنسية التي لا يمكن تحقيقها يمكن التعبير عنها عن طريق الإزاحة نحو أعمال الرياضة أو الفن وغيره وهذا أفضل الميكانيزمات في تحقيق الهدف.
وهذا الميكانيزم يطلق عليه في بعض الأدبيات النفسية مصطلح (التسامي) والتسامي أفضل تعبير عما تجريه النفس البشرية، بحيث إنها تتعالى على الحاجات والرغبات الجنسية تجاه الأعمال الإنسانية أو الإبداع أو الرياضة أو العبادة، إلخ.
والتعاليم الإسلامية تشير إلى هذا الإجراء في حالة سورة الغضب حيث يقال لك اجلس إذا كنت في حالة الوقوف، وكذلك الأمر في موضوع الزواج حيثجاء في الحديث : عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وٱله وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فكما نلاحظ أنه يقول لمن لم يستطع الزواج عليه بكثرة الصيام، فهذا بالفعل مصداق واضح لهذا الميكانيزم.
الكبت:
الكبت هو واحد من أهم الميكانيزمات الواضحة في المجال النفسي الطبي ويعمل الكبت على منع الأفراد من بعض النزوات والأفكار، لدرجة قدرة الإنسان على إظهار أنه لا يعنيه الأمر بالكامل والكبت يؤدي إلى نسيان كلي، أو غياب تام للدوافع لعدم قبولها اجتماعيًا. كما أن فقدان الذاكرة (الأمنيزيا) التي لا تعود إلى عطب في الدماغ، يمكن تفسيرها على أنها كبت كلي لخبرات مزعجة أو مؤلمة لا يريد الفرد أن يتذكرها، فحادث مؤلم ومزعج جدًا للفرد كتعرض فتاة للاغتصاب مثلا قد يؤدي إلى كبت كلي للحادث بحيث تصاب هذه الفتاة بفقدان الذاكرة فتنسى تمامًا ما أصابها والظروف المحيطة بالحادث ويعمل التنويم الإيحائي والتحليل النفسي عادة على مساندة الفرد على تذكر الخبرات المكبوتة، مما يدلل على أن النسيان لم يكن سوى عملية لا شعورية لحماية الفرد من تذكر أمور حادة تهدده وتستثير في نفسه قلقًا مزعجًا لا يعرف كيف يتعامل معه.
التبرير
والتبرير هو أكثر وسائل الدفاع شيوعًا واستخدامًا، وهو واسع الاستخدام عند الأطفال على الرغم من أنهم لا يعرفون هذه التسمية، وأكثر مثال معبر على ذلك، قصة الثعلب الذي لم يستطع أن يغير الشروط في تحقيق رغباته قال عن العنب هذا حصرم لما رأى أنه لا يناله فالذي يفشل في دخول كلية الهندسة، يتذرع بأخطار المهنة، أو كساد سوق المهندسين، والتبرير محاولة واضحة، للتخفيف من القلق عن طريق التقرير بأن الفرد لم يكن محبطًا أو أن الصراع لم يحدث فعلًا، فالفشل في دخول الجامعة يمثل إحباطًا واضحًا يواجهه الفرد بالقول: إنه لم يرد فعلًا دخول الجامعة، وإن والديه أجبراه على ذلك والفشل في النجاح في امتحان ما، يبرره الطالب بأن بقية الطلاب نجحوا عن طريق الغش، وإن لديه معايير خلقية عليا منعته من التصرف كالطلبة الآخرين.
جميع نقاط الحيل الدفاعية استقيت من مصدر واحد مع تصرف بسيط في التعبير.
راجع:( أ. د يوسف قطامي أ. د عبد الرحمن عدس)( علم النفس العام) الصفحات من 404 إلى 422، دار الفكر للنشر والتوزيع- ط2- 2005م عمان- المملكة الأردنية الهاشمية.
وجهة نظر:
ليس من المطلوب على الإنسان أن يقول ويثرثر بكل ما يعلم ولا كل ما جرى إليه وله الحرية التي أودعها الله فيه. أن يتحدث أو يخفي ما يريد إخفاءه إن كان ذلك سيسير حياته بشكل سليم وإلا فإن عليه أن يراجع المختصين ولا يستطيع أحد أن يحدد ما إذا كان ما يمارسه الفرد من حيل دفاعية هي أفضل أو ترك هذه الحيل فالحرية متروكة للفرد نفسه يستخدمها كيفما يشاء، ووقتما يشاء، والعلوم الاجتماعية ،وكذلك الدين الإسلامي لا يفضلان الضغط على الإنسان لإذاعة ما عنده مهما كانت الظروف.
وخير دليل على ذلك هو أن القرآن الكريم يذكر لنا في الآية رقم 3 من سورة التحريم أن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديثه عما علمه من الغيب عرّف بعضه وأعرض عن بعض رعاية لنفسية احدى زوجته.
وفي حديث آخر جاء التالي:
عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله في وصيته له قال يا أبا ذر اترك فضول الكلام وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك يا أبا ذر كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع
المصدر وسائل الشيعة الحر العاملي ج 12 ص 188.
المقدمة:
سألني أحد الأصدقاء عن تفسير وسِرْ الرّاحة النفسية عند الفرد عندما يروي بعض الأحداث المرتبطة بحياته الشخصية.
ثمة تفسيرات عديدة هنا تحكم الموضوع، لا يمكن التعويل على تفسير واحد منها لتفسير كل الأحداث.
أول هذه التفسيرات هو: أنه ربما تأتي الراحة النفسية، جرّاء تذكر الماضي والأماكن التي كان يعيش فيها الفرد خصوصًا، بما كانت تحتويه من مشاعر طفولية جميلة وملونة وممتعة، وشقاوة الطفولة وألعاب ومرح الطفولة، يعيد الفرد إلى حيث ذلك الجو الممتع الجميل، فالعودة إليه (خياليًا) تبعث في النفس نوعًا من الراحة المؤقتة.
وقد تكون الراحة نابعة من كونه انتصارًا لشخصيات محددة يعتقد أنها كانت مظلومة، وربما يكون هو واحد منهم، أو انعكاس شعور التغلب والانتصار وأخذ الثأر من شخصيات كانت (من وجهة نظره) ظالمة ظلمته، أو ظلمت أحد أقاربه، أو أسرته، أو خاب أمله فيها. لم تكن أهلًا للثقة.
وربما يكون الكاتب أو المتحدث قد روى الأحداث خلاف ما جرت عليه. وتدخل فيها من حيث الزيادة أو النقيصة.
أو ربما تدخل في ترتيب الأحداث، فلعب في تقديم حدث على آخر مما يؤدي إلى الانتصار إلى شخصه. وربما جاء بالأحداث ناقصة لكي يتجنب الإحراج من المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
وتتعدد هذه الجوانب وهو ما يشير إلى تعقد النفس الإنسانية، وتصرفاتها في الأحداث والمشاكل، إلى درجة أننا لا يمكن أن نضع قانونًا بشريًا يحكم جميع التصرفات البشرية.
السؤال هنا: هل لهذا الإبداع (إن سميناه إبداعًا) وهل لهذا التدخل في رواية الأحداث اسم معين؟ (بلغة أخرى) ماذا يمارس الكائن البشري بالضبط؟
(الجواب) إذا روى الفرد رواية عن نفسه وأخفى بعض التفاصيل (المعالم)، فهو هنا إما أنه يمارس الكبت على نفسه في إخفاء بعض ما يشعر به من ألم، أو أنه يخفي ما هو محرج له من الناحية الاجتماعية.
المشكلة أنه يحدث (في كثير من الأحيان) أن يمارس الفرد (ذكرًا كان أو أنثى) هذا التشويه للقصة أمام الأخصائي أو المعالج الذي يحاول مساعدته.
والأخطر من ذلك هو أن يمارس الفرد تشويه ما جرى من أحداث على صورة معاكسة لما جرى كل ذلك، وتسمى عمليات الدفاع عن الذات أو الحيل الدفاعية
ولا نسميه كذبًا لأننا لسنا في صدد إصدار حكم قيمي، بقدر ما هو تأمل، وتعلم، ووصف، لحال النفس البشرية وتصرفها تجاه الأحداث والمخاطر الحدقة بها.
وأصبحت الحالة أخطر عندما يجري هذا الخداع وهذا التشويه للحقيقة والواقع لا شعوريًا. والفارق كبير عندما يجري الأمر بشكل شعوري، فهو يمارس ذلك وهو يعلم أنه يقول خلاف الواقع.
الفرد هنا يتحدث عما جرى بخلاف الواقع وهو مصدق لذاته ويشعر بشيء من الانتصار والراحة النفسية كونه روى الحادثة بهذه الطريقة.
لكن ذلك لا يصمد عندما يفصح اللا شعور عن ذلك وهو ما مارسه (وقام به) عالم النفس فرويد في جلسات التداعي الحر ليكشف حقيقة ما يعاني منه بعض المرضى.
سيجموندفرويد يرى أن معظم الجهاز النفسي موجود في اللاشعور، وهو يحوي ما هو كامن ويصعب استدعاؤه لأن قوى الكبت تعارض عملية استدعاء هذه الخبرات من اللاشعور. ويرى أن المكبوتات تسعى إلى شق طريقها من اللاشعور إلى الشعور عن طريق الأحلام.
وعالج بعض المرضى عن طريق التخاطب مع اللاشعور، والإفصاح عنه حتى لو كان مؤلمًا. وذلك عن طريق أحد أساليب فرويد الأكثر شهرة، وهو أسلوب التداعي الحر.
والحقيقة أن الله أودع في الإنسان مجموعة من القدرات العقلية والجسمية وأعطاه الحرية في التعامل فيها مع جميع الظروف والأحوال ومواجهة المشكلات جميعها.
إن جميع عناصر الحياة مسخرّة تحت أمر هذا الإنسان، ليعيش بسلام مع جميع ما يحيط به من أشياء خصوصًا ما يتعلق منها بالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.
لذلك أصبح من نافل القول أن نعتقد أن الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين يواجهون الكثير من الصعوبات في جميع محطات العلاج النفسي والاجتماعي مهما امتدت خبرة هذا المعالج. من هنا أصبح الحديث مقبولًا في عدم الاكتفاء بالتقسيمات المقولبة للأمراض النفسية خصوصًا من أولئك الاختصاصيين المحترفين من خارج الطب النفسي.
لو تسنى لنا الاطلاع على تسجيلات بعض الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في الجلسات العلاجية (العيادية) لوجدنا العجب العجاب من خلال التشخيص فالتشخيص لدى الاختصاصيين المحترفين، لا يمكن أن يأتي في جلسة واحدة فلربما خرج الاختصاصي بتشخيص أول، وتشخيص ثانٍ، وتشخيص ثالث ورابع. فما الذي يجري في هذه الأثناء؟ مع أن المريض واحد، ويختلف التشخيص من جلسه إلى أخرى وفي أحسن الأحوال نجد أن الاختصاصي سجل مجموعة من الاحتمالات لحالة واحدة، لذلك وبالرغم من التقدم الواسع في العلاج العقلي السلوكي إلا أنه جاء قسم من العلماء من يدعو إلى تغيير قالب صياغة الحالة المعمول بها حاليًا، والذهاب إلى مصطلح أكثر مرونة وملاءمة للحالات الإنسانية المعقدة أطلق عليه في ذلك الوقت فهم الأشخاص في سياق مشكلاتهم.
understanding peersons in the context of their problems. UPCP.
ويندي درايدن
المصدر: مايكل بروش فرانك بوند (من التشخيص إلى صياغة الحالة مناحٍ وأمثلة عيادية في العلاج الذهني السلوكي) ترجمة الدكتور فلاح العنزي والدكتور شرف الدين الملك
إصدار رقم 2 جامعة تبوك 1434 هج - الصفحات (من 63 إلى 98) - المملكة العربية السعودية.
ومن أهداف المقال الإطلالة على بعض الحيل الدفاعية التي يستخدمها الإنسان للدفاع عن ذاته، عندما تواجهه الصعوبات، وهذه أهم ميزة عند الإنسان، وهو القدرة على الظهور بشكل مخالف للواقع الذي يعانيه أو يعايشه. وليس من مسؤولية الاختصاصي النفسي أو الاجتماعي الحفر عن أغوار الجروح العميقة، التي يود العميل سترها، إلا بما يساعد على علاجه.
يستخدم الاختصاصيون الأساليب العلمية،والعملية والعلاقات المهنية، متكئين على تراث عظيم من النظريات والأساليب لمساعدة العميل، على فهم ما يجري في داخله وفهم البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.
وأهم ما في هذه الأساليب أنها تحاول إشراك العميل في وضع يده على المشكلات التي يعاني منها.
سنلقي بعض الضوء على بعض ردود الفعل البشرية تجاه المشكلات التي يتعرضون لها.
العدوان والإحباط
العدوان موضوع كبير، وكثير التفاصيل ولكن اختصارًا نقول بأن العدوان بحسب بعض العلماء هو رد فعل قوي تجاه الإحباط. فإما أن يكون العدوان تجاه من يسبب العدوان للفرد ويسمى (حينئذِ) المباشر، أو قريب لمن سبب العدوان ويسمى حينئذ بالعدوان المزاح فالمعلم يحبط من المدير، فيوجه عدوانه نحو الطلبة، والمرأة تحبط من زوجها فتوجه عدوانها على الأطفال وتقسو عليهم.
الخطير في موضوع العدوان هو أنه إذا انعكس كاستجابة تجاه الذات وهنا ينبغي تدريب الأفراد على إستراتيجية (توقف، تفهم، فكر قليلًا، تجنب، لا تستجب مباشرة)، ومع ذلك فقد تكون هناك استجابات مختلفة عند الأفراد، لا تكون بالضرورة ردة الفعل هذه مشابهة للعدوان ذاته.
نذكرها بإختصار (اللامبالاة، الانسحاب، الخيالات، التنميط، النكوص).
ميكانزمات الدفاع عن الذات:
أطلق فرويد مصطلح ميكانيزمات للتعبير عن وسائل الدفاع عن الذات إشارة إلى العمليات اللاشعورية للإنسان، سنضع هنا بعض التفاصيل عن هذه الميكانيزمات علمًا بأن العلماء ليسوا متفقين عليها وهي مذكورة في بعض مصادر علم النفس مثل (الكبت، والتبرير، والإعلاء، والإزاحة، والتقمص، ورد الفعل العكسي، والإسقاط).
لكن العالم النفسي هليجارد وهو عالم نفس أمريكي شهير وضع 3 مرتكزات أساسية لفهم ميكانيزمات الدفاع وهي:
1/ ميكانيزمات الدفاع لا تتعدى كونها مفاهيمًا سيكولوجية فقط غير مدعمة ببراهين تجريبية، ولكنها كلها مفيدة في تلخيص ما نعتقد أنه يحدث عندما نراقب السلوك.
2/ إن تسمية سلوك الفرد بأنه إسقاطي أو تبريري قد يزودنا بمعلومات وصفية مفيدة عن الفرد ولكن هذه المعلومات لا تفسر لنا السلوك، بمعنى أنها لا تجيب عن السؤال لماذا يسلك الفرد هذه الطريقة، إن مثل هذا التفسير يحتاج إلى معرفة الحاجات التي تجعل الفرد يلجأ إلى ميكانيزمات الدفاع عند التعامل مع مشاكله.
3/ كل الدفاعات توجد في السلوك اليومي للإنسان السوي، فهي وسائل مفيدة في التكيف واستخدامها، باعتدال يزيد من درجة رضا الفرد على أمور حياته أما عندما تصبح هذه الدفاعات عبارة عن طرائق سائدة . في حل المشكلات فإنها عندئذ تدل على سوء تكيف في الشخصية.
الإسقاط:
هناك خصائص لا يحب الفرد أن يعترف بوجودها لديه، وأحد الميكانيزمات التي تحقق هذا الغرض هو إسقاطها على الآخرين فالبخيل يتهم الناس بالبخل فهو يبرر سلوكه باتهام الآخرين.
رد الفعل العكسي:
وهذا يعني أن الإنسان عندما يريد أن يخبئ دافعًا معينًا عن طريق إظهار عكسه فالبخيل يخفي بخله، عن طريق زيادة العطاء. وكذلك إن مدعي رحمة الحيوانات أي حماية الحيوانات ضد القسوة يكونون هم أنفسهم من النوع القاسي على الحيوانات.
الإزاحة أو الإعلاء
إذا أعيق تحقيق أو إشباع دافع معين فالفرد يحاول تحقيق ذلك عن طريق آخر يكون في العادة مقبولًا اجتماعيًا وأخلاقيًا.
إن الدوافع الجنسية التي لا يمكن تحقيقها يمكن التعبير عنها عن طريق الإزاحة نحو أعمال الرياضة أو الفن وغيره وهذا أفضل الميكانيزمات في تحقيق الهدف.
وهذا الميكانيزم يطلق عليه في بعض الأدبيات النفسية مصطلح (التسامي) والتسامي أفضل تعبير عما تجريه النفس البشرية، بحيث إنها تتعالى على الحاجات والرغبات الجنسية تجاه الأعمال الإنسانية أو الإبداع أو الرياضة أو العبادة، إلخ.
والتعاليم الإسلامية تشير إلى هذا الإجراء في حالة سورة الغضب حيث يقال لك اجلس إذا كنت في حالة الوقوف، وكذلك الأمر في موضوع الزواج حيثجاء في الحديث : عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وٱله وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فكما نلاحظ أنه يقول لمن لم يستطع الزواج عليه بكثرة الصيام، فهذا بالفعل مصداق واضح لهذا الميكانيزم.
الكبت:
الكبت هو واحد من أهم الميكانيزمات الواضحة في المجال النفسي الطبي ويعمل الكبت على منع الأفراد من بعض النزوات والأفكار، لدرجة قدرة الإنسان على إظهار أنه لا يعنيه الأمر بالكامل والكبت يؤدي إلى نسيان كلي، أو غياب تام للدوافع لعدم قبولها اجتماعيًا. كما أن فقدان الذاكرة (الأمنيزيا) التي لا تعود إلى عطب في الدماغ، يمكن تفسيرها على أنها كبت كلي لخبرات مزعجة أو مؤلمة لا يريد الفرد أن يتذكرها، فحادث مؤلم ومزعج جدًا للفرد كتعرض فتاة للاغتصاب مثلا قد يؤدي إلى كبت كلي للحادث بحيث تصاب هذه الفتاة بفقدان الذاكرة فتنسى تمامًا ما أصابها والظروف المحيطة بالحادث ويعمل التنويم الإيحائي والتحليل النفسي عادة على مساندة الفرد على تذكر الخبرات المكبوتة، مما يدلل على أن النسيان لم يكن سوى عملية لا شعورية لحماية الفرد من تذكر أمور حادة تهدده وتستثير في نفسه قلقًا مزعجًا لا يعرف كيف يتعامل معه.
التبرير
والتبرير هو أكثر وسائل الدفاع شيوعًا واستخدامًا، وهو واسع الاستخدام عند الأطفال على الرغم من أنهم لا يعرفون هذه التسمية، وأكثر مثال معبر على ذلك، قصة الثعلب الذي لم يستطع أن يغير الشروط في تحقيق رغباته قال عن العنب هذا حصرم لما رأى أنه لا يناله فالذي يفشل في دخول كلية الهندسة، يتذرع بأخطار المهنة، أو كساد سوق المهندسين، والتبرير محاولة واضحة، للتخفيف من القلق عن طريق التقرير بأن الفرد لم يكن محبطًا أو أن الصراع لم يحدث فعلًا، فالفشل في دخول الجامعة يمثل إحباطًا واضحًا يواجهه الفرد بالقول: إنه لم يرد فعلًا دخول الجامعة، وإن والديه أجبراه على ذلك والفشل في النجاح في امتحان ما، يبرره الطالب بأن بقية الطلاب نجحوا عن طريق الغش، وإن لديه معايير خلقية عليا منعته من التصرف كالطلبة الآخرين.
جميع نقاط الحيل الدفاعية استقيت من مصدر واحد مع تصرف بسيط في التعبير.
راجع:( أ. د يوسف قطامي أ. د عبد الرحمن عدس)( علم النفس العام) الصفحات من 404 إلى 422، دار الفكر للنشر والتوزيع- ط2- 2005م عمان- المملكة الأردنية الهاشمية.
وجهة نظر:
ليس من المطلوب على الإنسان أن يقول ويثرثر بكل ما يعلم ولا كل ما جرى إليه وله الحرية التي أودعها الله فيه. أن يتحدث أو يخفي ما يريد إخفاءه إن كان ذلك سيسير حياته بشكل سليم وإلا فإن عليه أن يراجع المختصين ولا يستطيع أحد أن يحدد ما إذا كان ما يمارسه الفرد من حيل دفاعية هي أفضل أو ترك هذه الحيل فالحرية متروكة للفرد نفسه يستخدمها كيفما يشاء، ووقتما يشاء، والعلوم الاجتماعية ،وكذلك الدين الإسلامي لا يفضلان الضغط على الإنسان لإذاعة ما عنده مهما كانت الظروف.
وخير دليل على ذلك هو أن القرآن الكريم يذكر لنا في الآية رقم 3 من سورة التحريم أن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديثه عما علمه من الغيب عرّف بعضه وأعرض عن بعض رعاية لنفسية احدى زوجته.
وفي حديث آخر جاء التالي:
عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله في وصيته له قال يا أبا ذر اترك فضول الكلام وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك يا أبا ذر كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع
المصدر وسائل الشيعة الحر العاملي ج 12 ص 188.



