قد يتعرض كل منا لبعض المواقف الحياتية التي تجبره على الانتظار الطويل حتى يصل إلى مبتغاه. وبغض النظر عن نوعية المصلحة، يبقى الوقت الذي استنزفه في الانتظار وقتًا ثمينًا قد ضاع هدرًا. على سبيل المثال لا الحصر، ما يحدث في بعض المناسبات الاجتماعية عندما نواجه طابورًا أو طوابير طويلة من المهنئين أو المعزين، أو في صالة المسافرين، أو أي شيء آخر من الأمور الحياتية التي قد تصادف الشخص في أي وجهة يبتغيها. ترى بعضهم من المنتظرين يظل منتظرًا الواحد تلو الآخر وهو يلتفت يمنة ويسرة، وأسفل وأعلى، وقد ارتسمت في ذهنه كل صور المكان وزخارفه، حتى يلحظ أدق التفاصيل المرسومة والمزخرفة على جدران المكان الذي يحيط به، إلى أن يصل دوره بعد عناء ومشقة وإحساس بشيء من التعب والإرهاق والتململ؛ وذلك بسبب طول الانتظار وعدم استغلال هذا الوقت الثمين الذي أهدر دون أي فائدة عائدة للشخص نفسه، غير الفائدة المرجوة التي سعى لأجلها.
يقال في أدبيات الثقافة بأهمية الوقت واستغلاله بالشكل المطلوب: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك". عبارة تستحق الوقوف والتفكير مليًا فيها لكشف سر معانيها. الكثير منا -وليس القليل- هم الذين لا يعيرون للوقت أي أهمية في حياتهم، ولو كان العكس لرأينا التغيير الإيجابي طافحًا على سطح الفكر والثقافة، وعلى مستوى المجتمع بشكل عام، ولكن لعدم الاهتمام بنظم الأمور والأوقات الشخصية والحياتية والتعليمية والعملية، ينتج البطء في ركب التحضر والتقدم والازدهار. ومما ورد عن الإمام علي -عليه السلام- في هذا الجانب في إحدى وصاياه قال: "أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم".
والتنظيم هو واحد من أهم المقومات الرئيسة للشخصية الناجحة وازدهار المجتمعات، وهذا ما أشار إليه علماء التنمية، وقد سبقهم إليه أهل البيت -عليهم السلام- بالإشارة لما ورد عن قول الإمام علي -عليه السلام- والأئمة الأطهار -عليهم السلام-. ونظم الأمر يعني أن يعرف الإنسان ما له وما عليه، سواء ما يتعلق بعلاقته مع ربه، أو مع نفسه، أو مع الناس، بمعنى أن يعلم ويعرف ويحدد ما يجب عليه القيام به ويعطي كل جانب حقه، وكما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله الشريف: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه".
تصادفنا في هذه الأيام ظاهرة في المناسبات الاجتماعية كالأفراح والأتراح وغيرها التي تشهد الازدحام الشديد من أفراد المجتمع داخل الصالات أو الأماكن المهيأة لاستقبال المهنئين أو المعزين، وهو طابع اجتماعي جميل يعزز روح الأخوة الاجتماعية وروح الترابط الاجتماعي الرائع الذي نحسد عليه، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن يدفعنا للتفكير مليًا في وقت الانتظار الضائع سدى من جانب آخر، ونكون بذلك كسبنا فرصتين في آن واحد. الحمد لله لدينا ثقافة مترسخة في احترام الدور وتقديم كبار السن والمرضى وأصحاب الهمم، ومع هذا يظل الازدحام موجودًا بسبب الأعداد الكثيرة الوافدة للمناسبة من أبناء المجتمع ومن خارجه، وهي ليست بالقليل في طبيعة الحال كما يشاهده ويلمسه الجميع.
يبقى السؤال المستهدف: بماذا نملأ فراغ هذا الوقت الذي قد يستغرق منا وقتًا معينًا قد يتجاوز النصف ساعة أو أكثر لو وقعنا في مثل هذه الفرص الاجتماعية أو غيرها من الفرص الحياتية؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، حتى لا يفهم القارئ الكريم أن الإجابة فيها شيء من المثالية، أخضعت نفسي تحت هذه التجربة مرارًا في أماكن مختلفة ومتنوعة، فأجدها ناجعة على الصعيد النفسي والفكري. كانت أول تجربة قمت بها، وكنت معدًا لها نفسيًا وروحيًا وجسديًا، في ذهابي إلى تهنئة بمناسبة زواج، فكان هناك كما توقعت تمامًا ازدحام شديد من المهنئين يصل إلى درجة أني لا أدري من أين أبدأ الوقوف لحفظ دوري وأستمر فيه حتى أصل لتهنئة أصحاب المناسبة.
بعد أن أخذت مكاني وسط الفوج، قمت بكل هدوء بفتح جوالي على أيقونة القرآن الكريم، وبدأت أقرأ ما تيسر من الجزء الذي وصلت إليه، وما إن وصلت للسلام على أول شخص من أصحاب المناسبة حتى قاربت على إنهاء جزء من القرآن الكريم، فأضفى ذلك علي سعادة بالغة.
تجربة أخرى أيضًا كانت في مناسبة زواج وكنت معدًا جملة من المقالات اليومية لقراءتها في وقت معين كالعادة اليومية التي أقوم بها، وهو ما أعده جزءًا من الاطلاع على الثقافة المحلية والخارجية وما يدور في فلكهما، وما إن وصلت للسلام على أصحاب المناسبة حتى انتهيت من قراءة أكثر تلك المقالات المجدولة مسبقًا. تجربة ثالثة عمقت لدي القناعة في استغلال الفرص الحياتية، تمثلت في حضوري في مناسبة عزاء، بعد تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم توجهت إلى طابور المعزين وكان يضم عددًا هائلًا من المعزين الكرام، وهنا فكرت في أن أملأ وقت الانتظار أمام هذا الحشد الكريم من المعزين بذكر روحي، وهو الصلاة على النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين وأهدي ثوابه للمتوفى، وما إن وصلت للسلام على أصحاب العزاء حتى أنهيت قراءة الصلاة على رسول الله وآله الأطهار -عليهم السلام- أكثر من أربع مئة مرة.
هذه التجارب الشخصية كشفت لي آلية ملء الفراغ واستغلال الفرص، فأصبحت لا أشعر بأي ملل أو كلل عندما أواجه أي نوع من أنواع الانتظار، بل أعده فرصة لاستغلال الوقت وكسبه وملئه بشيء من الفائدة، ووسيلة رائعة لصبه في فائدة فكرية أو ثقافية أو دينية. وكل هذه الحقائب الفكرية والروحية متاحة في الجهاز الذكي الذي تحمله في جيبك، والذي بدوره يتنقل معك أينما كنت، أو أي وسيلة أخرى تراها مناسبة ونافعة وفاعلة قادرة على تزويدك بالمعرفة وتؤهلك لاستغلال الوقت فيه، وبهذا تكون قد ملأت فراغًا سوف يهدر في الانتظار حتمًا، فضلًا عما يضفيه ذلك عليك من التعب الجسدي والنفسي، وفي بعض الأحيان تصاب بالإرهاق والتذمر من الوضع الذي وقعت فيه، وهذه تجربة شخصية أراها ناجعة وقد تكللت بالنسبة لي بالنجاح.
الخلاصة التي أريد تحصيلها من هذا المقال هي أننا ينبغي لنا استغلال الفرص وكسبها أينما كنا وكيفما كانت وصبها في قالب الاستفادة الشخصية والفكرية بوصفها تشكل لنا وقتًا ثمينًا مستقطعًا من حياتنا قد يذهب في مهب الريح دون جدوى أو أي فائدة مرجوة أو عائدة علينا سوى الفوائد القليلة، وليست متعلقة بالتغذية الفكرية فحسب، بل كذلك لها دور إيجابي كبير في انعكاسها على الحالة النفسية والروحية.


