إذا خرجتَ صباحًا - في يومٍ من أيام شهر شباط/ فبراير - وأنت في القطيف ارفع رأسك نحو الأعلى، من المحتمل جدًّا أن ترى مشهدًا من أروع المشاهد. ترى آلافًا من الطيور المهاجرة تكاد تغطي السماءَ قادمة من جهة الشمال! سبحان من دلها وأرشدهَا إلى طريقها الذي لا تخطئه!
هذه الطيور التي تكرر زيارتها كل عام في وقتها تقول لنا: إن الحياة تستمر وتتجدد والأمل موجود. ليس كلامًا إنشائيًا، فلو جلست الطيور في مهاجعهَا واستسلمت ولم تسافر مسافات طويلة طلبًا للدفءِ والغذاء لربما هلكت وماتت حيث هي! محبة البقاء والرغبة والحياة التي أودعها الله فيها تدفعها إلى قطع المسافات الطويلة طائرة في الفضاء حتى تصل حيث الأمان والغذاء الوافر. تطير واثقة بالله متوكلة عليه في رزقها وتعلم أنه لا يخيبها. عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا".
طيور تطير في الفضاء تتنازعها قوتان جبارتان؛ الموت والحياة! أوجاع وتعب الرحلة ينتهي بالطيور إلى البقاء. تموت بعض الطيور في طريقها للهجرة وبعضها يصطاده الصيادون وتستمر الحياة، لأن من يبقى أكثر ممن يهلك. الأمل وحبّ الحياة الطيبة الآمنة رحمة أودعها الله في مخلوقاته ومنها الإنسان: يروى عن النبيّ محمد صلى الله عليه وآله: "الأمل رحمة لأمتي، ولولا الأمل ما رَضعت والدةٌ ولدها ولا غرس غارسٌ شجرًا". عندما تشرق الشمس كل يوم فإنها تشرق على كونٍ عظيم ومخلوقات لا يحصيها إلا من خلقها وكلها ترغب في الحياة ولها حق الحياة. حقّ وطموح علينا أن نجله ونحترمه مهما اختلفنا وتفرقنا!
ثمة شيئ آخر تحكيه رحلة أسراب الطيور عن عظمة الله سبحانه وتعالى الذي أمكنها أن تحلق عاليًا في الفضاء في عزيمة وصبر دون أن تسقط. يحكي عن معجزة قال عنها الله سبحانه وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}. من خلق هذه الطيور التي تسير في الهواء بكل سهولة وراحة ولا تسقط؟ من علمها أن تطير في جماعات أسابيع وشهورًا قاطعة آلاف الكيلو مترات، لا تمنعها دول ولا بحار ولا جبال ولا وديان؟ كيف تعرف متى تجيء ومتى تعود؟ ألف سؤال يردنا إلى قدرة من صنعها وخلقها وهو الله سبحانه وتعالى الذي أحسن كلّ شيء صنعًا!
لا وصف لهذه المشاهد سوى القول أنها مشاهد تبعث على السرور والبهجة في النفس وتثير التأملات في العقل!



