أمضى 32 عامًا في سماع دقات قلوب المراجعين في مقر عمله بمستشفى الدمام المركزي، المنتظمة منها دلالة جيدة والمضطربة كان لها طبيبًا مداويًا، بابتسامة وكلمات طيبة ووصفة عن خبرة، عالج فيها الاستشاري شكري ميرزا آل سيف مرضاه عبر أيام مهنته كاستشاري لأمراض القلب وعندما حان ميعاد تقاعده خلع معطفه ووضع سماعته ليخفق قلبه هذه المرة شوقًا لتحقيق حلم جديد خطه نحو الحقول الزراعية.
وحتى يحقق حلمه، اتجه آل سيف منذ ست سنوات، إلى منطقة الجعيمة القريبة المجاورة لمحافظته القطيف، باحثًا عن أرض مناسبة للزراعة، اعتنى فيها بنظافة الأرض وإعادة إعمارها بزراعة المئات من الأشجار المثمرة، لتبدأ مرحلة التحول إلى مزرعة عضوية في عام 2022م.
وأنجز ابن القطيف متطلبات التحول في إنتاج الخضراوات بحيث أصبحت المزرعة عضوية لإنتاجهم اعتبارًا من الشهر السابع لعام 2024 وما زالوا في مرحلة التحول بالنسبة للأشجار المثمرة.
وفي حديثه لـ«القطيف اليوم»، بيّن الاستشاري آل سيف أن الهدف من إنشاء مزرعة عضوية هو توفير خضراوات وفواكه طازجة طبيعية خالية من أي كيماويات يعود بطعم الأشياء إلى مذاقها الأصلي وفائدتها الطبيعية؛ منوهًا بأن الكثير من المنتجات المبيعة محليًا لها نفس شكل الخضراوات ولكنها تفتقد الطعم الأصيل الذي درجنا عليه.
وذكر أن منطقة القطيف كانت تُزرع فيها الكثير من الخضراوات والفواكه الطبيعية عالية الجودة، ولكن نتيجة إهمال الناس للزراعة، اندثرت سلالات من أشجار عدة كانت متكيفة في البيئة المحلية، مما سبب الحاجة لجلب أصناف ليتأكد للمزارع ماهية الأصناف المثمرة الجيدة.
واستذكر الاستشاري شكري بألم أيام طفولته، مبينًا أنهم كأطفال كانوا يتستمتعون بالذهاب إلى المزارع في جزيرة تاروت في كل يوم جمعة ويتذكرون تلك المنتجات عالية الجودة التي كانت طبيعية وعضوية، مبينًا أن ممارسة الأجداد كانت المحافظة على البيئة واستحصال البذور من مزروعاتهم والتكامل في الزراعة بين تربية الحيوانات وإنتاج المحاصيل.
وأضاف: اليوم، نتيجة للزحف العمراني والإهمال للمزارع وتقلص المساحات الصالحة للزراعة بالقطيف وتساوي أسعار الأراضي الزراعية بالسكنية كان قرار البحث عن أرض مناسبة قريبة من المحافظة فجاء القرار على الجعيمة.
وزرع آل سيف الكثير من الثمار والخضراوات والورقيات، كالبقدونس والكزبرة والسبانخ والطماطم والباذنجان والقرع والشمام، كما ينتظر موسم التوت والكثير من الفواكه العضوية، وفي أذنيه يرن كلام المحبطين: لن تستطيع زراعة تين عضوي! لكنه ابتسم والنصر في عينيه: لقد نجحت!
وركز الطبيب شكري على إنتاج أنواع مختلفة من الطماطم وكان من الطبيعي -على حد تعبيره- البدء في تصنيع منتجات تحويلية أخرى عند وجود فائض من الخضراوات لتلافي إتلاف النعمة وللحاجة الماسة لوجود مثل هذه المنتجات بأسعار تكون في متناول الجميع وتفوق المنتجات المستوردة في جودتها فعمل على تصنيع معجون الطماطم وبعض أنواع الصلصات وأيضًا قام بتجفيف بعض الخضراوات تسهيلًا للاستعمال ولضمان حفظها مدة أطول.
وأوضح أنه من أكبر التحديات الحصول على البذور العضوية أو غير المعاملة بأي كيماويات، أما التحدي الأكبر فهو تغيير طريقة تفكير ونمط عمل عمال المزرعة حيث إن الزراعة العضوية تعتمد على مبدأ الوقاية بالدرجة الأولى واختيار أصناف بذور لديها مقاومة طبيعية للكثير من الآفات الزراعية الضارة بالمحاصيل، مشيرًا إلى أن الزراعة العضوية لا تستخدم إلا الأسمدة الطبيعية العضوية من مصادر موثوقة ولا تستخدم إلا مبيدات مصرح بها للزراعة العضوية وهي التي تحمل الشعار الوطني (عضوي) والمعتمد من وزارة البيئة والزراعة والمياه.
وأكمل حديثه عن التحديات قائلًا: "التحدي الأخير هو تغيير نمط تفكير المستهلك فالزراعة العضوية تكاليفها أعلى وإنتاجها أقل من الزراعة العادية لذا فإن تكلفة الإنتاج عالية ولكي يكون المشروع ذا ديمومة يجب أن يغطي إيراد المزرعة جميع مصروفاتها مما يجعل السعر مرتفعًا نسبيًا مقارنة بأسعار المنتجات الأخرى".
واستدرك بقوله: "لكن هناك أعدادًا تتزايد يومًا بعد يوم أصبحت تدرك الفوائد الجمة من استخدام المنتجات العضوية الطازجة لجودتها العالية وخلوها من أي متبقيات من المبيدات والكيماويات وهؤلاء الناس يستثمرون في صحتهم وفي مستقبل أولادهم بتناول ما هو أجود من كل ناحية".
وفي ختام حديثه، أشاد آل سيف بالتفاعل الإيجابي وتشجيع المجتمع وذلك بالإقبال على المنتجات العضوية حيث لاحظ أن من قاموا بتجربة منتجات مزرعتهم الطازجة أو المصنعة استمروا في طلب هذه المنتجات، مبينًا أنه يعمل حاليًا على توفيرها بنطاق أوسع في أسواق المنطقة لتسهيل عملية الحصول عليها بأسعار معقولة جدًا وفي متناول الجميع.









