12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

متى ننظّف نوافذنا؟

يبدو أن هذه القصة المثيرة تستحق أن تكون المقدمة/ الرسالة لهذا المقال الذي يتناول قيمة حضارية مهمة تواجه الكثير من الضغوطات والتحديات: 

يُحكى أن نابليون بونابرت القائد الفرنسي الشهير، كان يقوم بجولة تفقدية على أحد المعسكرات المرابطة بانتظار هجوم وشيك على الأعداء، فلاحظ بفراسته التي لا تُخطئ عادة أن هناك جنديين ليسا على ما يرام مع بعضهما وأن ثمة مشكلة أو تباغضًا بينهما. استدعى قائد الكتيبة التي ينتسب إليها الجنديان المتباغضان، وطلب منه أن يحضرهما في الصباح الباكر ليقوما بتنظيف نافذة غرفة العمليات الحربية التي يشرف عليها بنفسه، واشترط أن يقوم أحدهما بالتنظيف من داخل الغرفة والآخر من خارجها. لم تستمر عملية تنظيف النافذة سوى دقائق معدودة، لكنها كانت كافية جدًا لأن تُذيب «جليد الخلاف» الذي جمّد علاقتهما كل ذلك الوقت. وكان نابليون مع بعض قادته الكبار يُراقبون ذلك التحول السريع في علاقة الجنديين، حيث أخبرهم أن الجيش لن ينتصر في أية معركة إذا كان الجنود على خلاف مع بعضهم، وأن «القطيعة» عادة هي من تتسبب في شحن وتأليب وتأجيج المتخاصمين، وأن الحل يكمن دائمًا في «الحوار» بمختلف أشكاله وطرقه ومستوياته، وذلك من أجل أن تعود الأمور إلى نصابها، وهذا لن يكون إلا بالاقتراب كثيرًا من المشكلة ومواجهتها وذلك بتغليب المشتركات والمصالح والاعتبارات. لقد أدرك نابليون بونابرت أن الحوار بشكله المناسب، هو القادر على ترميم التصدعات والتشوهات والخلافات بين الخصوم والأعداء، وكلما كانت «المسافات» متباعدة بين المختلفين/ المتخاصمين كانت القطيعة هي الأكثر سيطرة وحضورًا وخطورة، وكلما كانت الفضاءات متقاربة كانت فرص النجاح أكثر.

إذًا هو الحوار الذي يُعدّ القيمة أو الطريقة التي يؤمن بها البشر على اختلاف أعراقهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، منذ العصور البدائية وحتى عصرنا الراهن؛ لأنه -أي الحوار- كان ومازال هو المنهج العقلاني الذي تستقيم به الأمور وتستقر به الحياة. وبعيدًا عن التعريفات والتوصيفات، فالحوار هو السماوات الفسيحة والفضاءات الشاسعة التي تجتمع حولها الأفكار والرؤى، وليس مجرد وسيلة للإقناع أو الإثبات، يُمارسها المتحاورون والمتخاصمون، ولكنه أكبر من كل ذلك بكثير، فالحوار هو حقيقة دامغة ورؤية عميقة وبصيرة نافذة، هدفه الأول والأخير، هو الوصول إلى قناعات ومساحات من الاحترام والتسامح.

كم نحن بحاجة ماسة لإزالة الشوائب والخلافات من كل النوافذ والقناعات التي تستوطن فكرنا ومزاجنا، وأن ننفتح على الآخر بكل ما يحمل من أفكار وتبنيات، حتى وإن لم تعجبنا أو ترُق لنا.


error: المحتوي محمي