تشق السيارة طريقها الضيق بين بساتين النخيل الباسقة وأشجار الموز المتمايلة بفعل نسمات الربيع الساحرة، على جانبي الطريق الترابي راحت المياه تنساب بين جدولين كبيرين من المياه العذبة القادمة من العيون العظيمة، حيث النبع وفير، بعض البط يختال في سباحته الناعمة مهدهدة ذيولها القصيرة، ناعمة بصفحة الماء الخضراء المنعكسة من كثافة الشجر المتنوع، حيث يتشابك شجر السدر مع الليمون، وتتعانق أشجار التين مع أشجار الرمان والباباي، فغابات البساتين متداخلة وبواباتها الخشبية الواسعة أيضًا متماثلة.
قال أحد الأصدقاء (الدليل) الذي سيرشدنا إلى موقع البستان حيث ستقام فيه وليمة صديقنا الأديب بمناسبة نيل ابنه المتخرج حديثًا ونيله شهادة الدكتوراه من جامعة بوسطن في تخصص علوم هندسة الفيزياء. في الطريق إلى الموقع أكد لنا الدليل بالقول: أما المكان فأنا أعرفه تمام المعرفة، لقد كنت هنا منذ قرابة العام، وأعرف صاحب البستان، إلا أنني لا أتذكر اسمه جيدًا لكن على ما أعتقد يلقب بأبي عبدالله، أو ربما بلقب بآخر قريب من ذلك، وهو رجل مَرِح، يتمتع بروح الدعابة، ورحابة الصدر، وهو بالمناسبة أحد أصدقاء مضيفنا الأديب.
سأل أحدنا الدليل، إن كان الحضور هذا المساء كبيرًا، أم أنه سوف يقتصر على المعارف والأصدقاء، فأجاب؛ حسب علمي سوف يكون كذلك مقتصرًا على الأصدقاء وبعض زملائه في العمل، وبالطبع سيكون رئيسه أيضًا ضمن المدعوين، حيث أصبحت علاقاتهما مؤخرًا جدًا قوية.
شقَّت السيارة طريقها نحو البستان، مررنا بشارع ترابي ثم انعطف إلى طريق أوسع يحفّه من الجانب الأيسر جدول مياه كبير نسبيًا كأنه نهر صغير، وعلى الجانب الآخر تنتشر ترع المياه الشبيهة بالبحيرات الصغيرة، كانت البساتين تحيط بها وتُكسب المناظر شاعرية تخطف الألباب، وعندما تهب نسائم النخيل تأخذنا موجة من الانتشاء الآسرة، روائح ورود الياسمين مختلطة برائحة زهور عطرية عديدة، كما أن أزهار الفل وورود الأرجوان المتفتحة حديثًا ترسل رائحة زكية تبعث البهجة وتعيد للنفس نكهة الحياة.
أشجار الليمون الكثيفة مع أخواتها من الترنج والنارنج كانت أغصانها متشابكة مع بعضها البعض، وأشجار أخرى شبكت أغصانها الطويلة ولفّتها على خواصر أشجار اللوز البهية.
قليل من الفلاحين والفلاحات محمولون على حميرهم يتمايلون صوب وجهتهم، فقد بدأت شمس النهار بالاختباء خلف الحقول، ولم يتبقَ إلا قليل من أشعتها الذهبية التي لوّنت بها الأطراف العلوية من غابات النخيل، وبدأ شكلها من بعيد كصبايا بشعورهن الثائرة، وأحالت صبغته إلى لون العسجد الزبرجدي.
كل شيء بدا ساحرًا وأخّاذًا وفاتن الجمال، لولا احتكاك عجلات السيارة بالطريق الترابي المليء بالحفر، حتى إن أحدنا قال لا أعرف أين سيصل الأكل في المعدة بعد تناوله والعودة من خلال هذا الطريق. وأجابه آخر حتمًا سيغلق المريء!، إلا أن صديقنا الدليل هوّن الموضوع وقال أنا خبير بهذه الطرق، سآخذ في خط العودة الطريق المعبَّد، رغم كثرة الكلاب السائبة التي تملأه، وبعضها شرس ولئيم ونباحها قوي وعدوانيّ، ثم أردف قائلًا على كل حال سأتحاشاها، فتلك الكلاب كما عهدتها من قبل بغيضه وتلاحق الغرباء حتى وهم داخل سياراتهم.
أخيرًا، ها نحن اقتربنا، هناك بعض السيارات على جنبات البستان، والبوابة الكبيرة مفتوحة على مصراعيها، اقترح الدليل أن نقف بسيارتنا داخل المزرعة حيث يوجد حسب علمه بعض المواقف للشخصيات المهمة، وهكذا فعل. ترجّلنا قليلًا، كان بعض الحضور يرمقوننا، لكن لا بأس فهؤلاء أكيد أصحاب المزرعة، غير أن دليلنا بادر أحدهم بالسلام مبتسمًا، وعندما سمع أحد الجلساء يناديه بأبي عبدالله، التفت إلينا وقال ألم أقل لكم بأن صاحب المزرعة لقبه كذلك، فاطمأن بالنا إلى مكاننا، وقد كان أبو عبدالله في الواقع رجلًا ذا كياسة ولباقة، وعيناه تشعّ منهما ملامح الذكاء والطيبة والضيافة، فهو مثال شيوخ الفلاحين الفطنين، عندما سلّمت عليه مصافحًا لمست في يده الكبيرة السمراء صدق الاستقبال، وفعلًا حال استقرارنا في عريش المزرعة بين غابات النخيل العملاقة وشجيرات التين المحببة الأوراق مع كثرة أعدادها.
طلب الدليل أرجيلة خاصة، وعندما أُحضرت له، أحتضنها وراح ينفث بقوة دخانها عاليًا تجاه قمم الأشجار المحيطة به، وقد لاحظنا وهو في عزلته الاختيارية تلك، كأنه انفصل عنّا روحيًّا، وغاب يبحلق في دخانه الكثيف الذي يتنافر بين أطراف الشجر ويغيب في الأعالي، وتركنا نحن نسبح في وحدة السكوت والصمت، المتحرك في نظراتنا وتعابير وجوهنا البلهاء، وقد كان أبو عبدالله يبذل مجهودًا من وقت إلى آخر في قول شيء ما فقط لكي يبدد الوجوم المخيم على المكان، ويعاود بعدها بإلقاء نظرات الاستغراب أو الاستفسار والتي لم تكن واضحة لنا، حيث كنا نحن أيضًا نتبادل نفس النظرات مع بعضنا البعض، وعندما انتبه أخيرًا دليلنا العزيز للوضع الكئيب وحالة الوجوم التي كنا عليها، اعتدل وتنحنح مرات وسعل مرات أخرى، ثم تعثرت بعض الكلمات في حلقه واختلطت بنوبة الربو التي تهاجمه خصوصًا مع الإكثار من شفط الغليون، وفي النهاية أخذ يلقي بعض الأسئلة من باب كونه على معرفة ولو بسيطة بأبي عبدالله فسأله عن أخيه حسن.
فأجابه في صيغة تساؤل: أنت تقصد ابن عمي حسن أم ابن خالي؟ فقال له الدليل: حسن الذي كان معكم منذ قرابة سنة. فقال: إذن أنت تقصد حسن ابن خالي، لأن ابن عمي رحمه الله توفي منذ مدة تزيد على الثلاث سنوات. فقال الجميع رحمة الله عليه كان رجلًا شجاعًا أصيلًا، يصعد النخلة في غمضة عين، لكن حظه الفقير، فقد توفاه الله في حادثة الباص اللعين ومعه أولاده ووالدته. ثم سأله مباشرة: طيب وهل وصل الأديب أم لا يزال؟ - كل الأدباء والشعراء سيأتون بعد ساعة.
سكت الجميع، والكل ينظر باستغراب إلى الآخر دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، وكأن الكلام قد توقف في الحناجر، تسلل أحد الأصدقاء إلى الدليل متسائلًا عن الحضور، حيث لا يعرف أيًا من الحضور، فقال له الدليل؛ اصبر يا أخي هذه عادة العرب، نحن دائمًا لا نلتزم بالمواعيد!
صواني الضيافة من الخضراوات والفواكه والعصائر تقدم للضيوف على مدار الساعة، حتى امتلأت معداتنا بالأكل والشرب. بينما كنت أحاول التسلية بالجوال، رن هذا الفقير وقد ظهر على شاشته اسم الأديب، فكأن شيئًا حطّم رداء الصمت، قلت له: كأنكم تأخرتم. فجاء الجواب مفاجئًا: ماذا تقصد تأخرنا، الكل هنا يسأل عنكم. قلت له: لكننا في البستان. قال أي بستان؟ لا أرى أحدًا منكم هنا، العشاء جاهز! فقلت له سأعطيك صاحب البستان كي تتحدث معه ويشرح لك عن مكان تواجدنا. ضحك قائلًا: ليس هناك صاحب للبستان، فهذا البستان ملك عائلتنا، لكن أعطني صاحب البستان الذي لديكم، فمن الواضح أن الدليل لم يستفد من الدرس السابق عندما تلقى لكمات على وجهه بسبب نفس التصرف من جماعة من البدو.
كان التليفون على السماعات، وكان الجميع يستمع للمكالمة. وعندما ناولت التليفون إلى صاحب البستان، أخذ يقهقه، بينما دليلنا من كثرة الأكل وانغماسه في شفط الدخان من الأرجيلة، وانعزاله في ركن قريب من خرير الماء جعله يغط في نوم عميق، ولم ينتبه إلى سيل الماء الذي بدأ يزحف إلى أعلى قدميه، وبدأ الكرسي الذي يجلس عليه يميل بشكل سريع إلى الخلف، ولولا نجدة الفلاحين لجرفه السيل إلى ترعة المزرعة الكبيرة، وعندما تم سحبة لليابس، قال لقد شممت رائحة الوليمة. حتمًا أصبح العشاء جاهزًا.
قال لنا أبو عبدالله: آنستم وشرفتم، ولكن عليكم أن تلحقوا ضيافة صاحبكم، هيا اتبعوني بسيارتكم كي أدلكم على مكان مزرعة رفيقكم، فأنا في الواقع لا أعرف صاحبكم لكنني أعرف كل بستان في قريتنا هذه. فرك الدليل عينيه وقال هيا إلى مزرعة صديقنا الأديب فأنا فعلًا بدأت أشعر بالجوع، أما الجزء الأسفل من ملابسي فسيجففه هذا الهواء العليل.
في مزرعة صديقنا الأديب كان الحضور في انتظارنا، والضحك على وجوههم، أما الدليل فكان يمشي بتثاقل كطائر البطريق، وبطريقة مثيرة للدهشة والانكسار بسبب البلل الذي أصاب ملابسه حتى السرة.
قال أحد الأصدقاء (الدليل) الذي سيرشدنا إلى موقع البستان حيث ستقام فيه وليمة صديقنا الأديب بمناسبة نيل ابنه المتخرج حديثًا ونيله شهادة الدكتوراه من جامعة بوسطن في تخصص علوم هندسة الفيزياء. في الطريق إلى الموقع أكد لنا الدليل بالقول: أما المكان فأنا أعرفه تمام المعرفة، لقد كنت هنا منذ قرابة العام، وأعرف صاحب البستان، إلا أنني لا أتذكر اسمه جيدًا لكن على ما أعتقد يلقب بأبي عبدالله، أو ربما بلقب بآخر قريب من ذلك، وهو رجل مَرِح، يتمتع بروح الدعابة، ورحابة الصدر، وهو بالمناسبة أحد أصدقاء مضيفنا الأديب.
سأل أحدنا الدليل، إن كان الحضور هذا المساء كبيرًا، أم أنه سوف يقتصر على المعارف والأصدقاء، فأجاب؛ حسب علمي سوف يكون كذلك مقتصرًا على الأصدقاء وبعض زملائه في العمل، وبالطبع سيكون رئيسه أيضًا ضمن المدعوين، حيث أصبحت علاقاتهما مؤخرًا جدًا قوية.
شقَّت السيارة طريقها نحو البستان، مررنا بشارع ترابي ثم انعطف إلى طريق أوسع يحفّه من الجانب الأيسر جدول مياه كبير نسبيًا كأنه نهر صغير، وعلى الجانب الآخر تنتشر ترع المياه الشبيهة بالبحيرات الصغيرة، كانت البساتين تحيط بها وتُكسب المناظر شاعرية تخطف الألباب، وعندما تهب نسائم النخيل تأخذنا موجة من الانتشاء الآسرة، روائح ورود الياسمين مختلطة برائحة زهور عطرية عديدة، كما أن أزهار الفل وورود الأرجوان المتفتحة حديثًا ترسل رائحة زكية تبعث البهجة وتعيد للنفس نكهة الحياة.
أشجار الليمون الكثيفة مع أخواتها من الترنج والنارنج كانت أغصانها متشابكة مع بعضها البعض، وأشجار أخرى شبكت أغصانها الطويلة ولفّتها على خواصر أشجار اللوز البهية.
قليل من الفلاحين والفلاحات محمولون على حميرهم يتمايلون صوب وجهتهم، فقد بدأت شمس النهار بالاختباء خلف الحقول، ولم يتبقَ إلا قليل من أشعتها الذهبية التي لوّنت بها الأطراف العلوية من غابات النخيل، وبدأ شكلها من بعيد كصبايا بشعورهن الثائرة، وأحالت صبغته إلى لون العسجد الزبرجدي.
كل شيء بدا ساحرًا وأخّاذًا وفاتن الجمال، لولا احتكاك عجلات السيارة بالطريق الترابي المليء بالحفر، حتى إن أحدنا قال لا أعرف أين سيصل الأكل في المعدة بعد تناوله والعودة من خلال هذا الطريق. وأجابه آخر حتمًا سيغلق المريء!، إلا أن صديقنا الدليل هوّن الموضوع وقال أنا خبير بهذه الطرق، سآخذ في خط العودة الطريق المعبَّد، رغم كثرة الكلاب السائبة التي تملأه، وبعضها شرس ولئيم ونباحها قوي وعدوانيّ، ثم أردف قائلًا على كل حال سأتحاشاها، فتلك الكلاب كما عهدتها من قبل بغيضه وتلاحق الغرباء حتى وهم داخل سياراتهم.
أخيرًا، ها نحن اقتربنا، هناك بعض السيارات على جنبات البستان، والبوابة الكبيرة مفتوحة على مصراعيها، اقترح الدليل أن نقف بسيارتنا داخل المزرعة حيث يوجد حسب علمه بعض المواقف للشخصيات المهمة، وهكذا فعل. ترجّلنا قليلًا، كان بعض الحضور يرمقوننا، لكن لا بأس فهؤلاء أكيد أصحاب المزرعة، غير أن دليلنا بادر أحدهم بالسلام مبتسمًا، وعندما سمع أحد الجلساء يناديه بأبي عبدالله، التفت إلينا وقال ألم أقل لكم بأن صاحب المزرعة لقبه كذلك، فاطمأن بالنا إلى مكاننا، وقد كان أبو عبدالله في الواقع رجلًا ذا كياسة ولباقة، وعيناه تشعّ منهما ملامح الذكاء والطيبة والضيافة، فهو مثال شيوخ الفلاحين الفطنين، عندما سلّمت عليه مصافحًا لمست في يده الكبيرة السمراء صدق الاستقبال، وفعلًا حال استقرارنا في عريش المزرعة بين غابات النخيل العملاقة وشجيرات التين المحببة الأوراق مع كثرة أعدادها.
طلب الدليل أرجيلة خاصة، وعندما أُحضرت له، أحتضنها وراح ينفث بقوة دخانها عاليًا تجاه قمم الأشجار المحيطة به، وقد لاحظنا وهو في عزلته الاختيارية تلك، كأنه انفصل عنّا روحيًّا، وغاب يبحلق في دخانه الكثيف الذي يتنافر بين أطراف الشجر ويغيب في الأعالي، وتركنا نحن نسبح في وحدة السكوت والصمت، المتحرك في نظراتنا وتعابير وجوهنا البلهاء، وقد كان أبو عبدالله يبذل مجهودًا من وقت إلى آخر في قول شيء ما فقط لكي يبدد الوجوم المخيم على المكان، ويعاود بعدها بإلقاء نظرات الاستغراب أو الاستفسار والتي لم تكن واضحة لنا، حيث كنا نحن أيضًا نتبادل نفس النظرات مع بعضنا البعض، وعندما انتبه أخيرًا دليلنا العزيز للوضع الكئيب وحالة الوجوم التي كنا عليها، اعتدل وتنحنح مرات وسعل مرات أخرى، ثم تعثرت بعض الكلمات في حلقه واختلطت بنوبة الربو التي تهاجمه خصوصًا مع الإكثار من شفط الغليون، وفي النهاية أخذ يلقي بعض الأسئلة من باب كونه على معرفة ولو بسيطة بأبي عبدالله فسأله عن أخيه حسن.
فأجابه في صيغة تساؤل: أنت تقصد ابن عمي حسن أم ابن خالي؟ فقال له الدليل: حسن الذي كان معكم منذ قرابة سنة. فقال: إذن أنت تقصد حسن ابن خالي، لأن ابن عمي رحمه الله توفي منذ مدة تزيد على الثلاث سنوات. فقال الجميع رحمة الله عليه كان رجلًا شجاعًا أصيلًا، يصعد النخلة في غمضة عين، لكن حظه الفقير، فقد توفاه الله في حادثة الباص اللعين ومعه أولاده ووالدته. ثم سأله مباشرة: طيب وهل وصل الأديب أم لا يزال؟ - كل الأدباء والشعراء سيأتون بعد ساعة.
سكت الجميع، والكل ينظر باستغراب إلى الآخر دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، وكأن الكلام قد توقف في الحناجر، تسلل أحد الأصدقاء إلى الدليل متسائلًا عن الحضور، حيث لا يعرف أيًا من الحضور، فقال له الدليل؛ اصبر يا أخي هذه عادة العرب، نحن دائمًا لا نلتزم بالمواعيد!
صواني الضيافة من الخضراوات والفواكه والعصائر تقدم للضيوف على مدار الساعة، حتى امتلأت معداتنا بالأكل والشرب. بينما كنت أحاول التسلية بالجوال، رن هذا الفقير وقد ظهر على شاشته اسم الأديب، فكأن شيئًا حطّم رداء الصمت، قلت له: كأنكم تأخرتم. فجاء الجواب مفاجئًا: ماذا تقصد تأخرنا، الكل هنا يسأل عنكم. قلت له: لكننا في البستان. قال أي بستان؟ لا أرى أحدًا منكم هنا، العشاء جاهز! فقلت له سأعطيك صاحب البستان كي تتحدث معه ويشرح لك عن مكان تواجدنا. ضحك قائلًا: ليس هناك صاحب للبستان، فهذا البستان ملك عائلتنا، لكن أعطني صاحب البستان الذي لديكم، فمن الواضح أن الدليل لم يستفد من الدرس السابق عندما تلقى لكمات على وجهه بسبب نفس التصرف من جماعة من البدو.
كان التليفون على السماعات، وكان الجميع يستمع للمكالمة. وعندما ناولت التليفون إلى صاحب البستان، أخذ يقهقه، بينما دليلنا من كثرة الأكل وانغماسه في شفط الدخان من الأرجيلة، وانعزاله في ركن قريب من خرير الماء جعله يغط في نوم عميق، ولم ينتبه إلى سيل الماء الذي بدأ يزحف إلى أعلى قدميه، وبدأ الكرسي الذي يجلس عليه يميل بشكل سريع إلى الخلف، ولولا نجدة الفلاحين لجرفه السيل إلى ترعة المزرعة الكبيرة، وعندما تم سحبة لليابس، قال لقد شممت رائحة الوليمة. حتمًا أصبح العشاء جاهزًا.
قال لنا أبو عبدالله: آنستم وشرفتم، ولكن عليكم أن تلحقوا ضيافة صاحبكم، هيا اتبعوني بسيارتكم كي أدلكم على مكان مزرعة رفيقكم، فأنا في الواقع لا أعرف صاحبكم لكنني أعرف كل بستان في قريتنا هذه. فرك الدليل عينيه وقال هيا إلى مزرعة صديقنا الأديب فأنا فعلًا بدأت أشعر بالجوع، أما الجزء الأسفل من ملابسي فسيجففه هذا الهواء العليل.
في مزرعة صديقنا الأديب كان الحضور في انتظارنا، والضحك على وجوههم، أما الدليل فكان يمشي بتثاقل كطائر البطريق، وبطريقة مثيرة للدهشة والانكسار بسبب البلل الذي أصاب ملابسه حتى السرة.



