أخبرني أحد الأصدقاء قبل فترة ليست بالبعيدة، التقى فيها بالوالد -رحمة الله تعالى عليه- في أحد المجالس قائلًا؛ "يعجبني أبوك بالرغم من تقدمه في العمر إلا أنه لا يشعرك بأنه من القدامى التقليديين"! وفي المقابل بعض الأحيان، تتناقش مع شاب متعلم تتوقع منه مناقشة شبابية تتناسب مع معطيات العصر الحديث لكنه يفاجئك بأفكار تشعرك أنه من مواليد "سنة الطبعة"! حكمنا السريع على جانب واحد نراه سلبيًا لا يعني أن الشخص لا يحمل صفات أخرى إيجابية ولا يعني أننا على صواب دائمًا!
لستُ هنا للحديث عن حالة فريدة من نوعها، لكنها تجربة شخصية حيث تتردد على مسامعنا في كثيرٍ من المناسبات عبارات الثناء والإشادة بالوالد في حياته وبعد مماته، ومما لا شك فيه، فإن مثل هذه العبارات تشعرنا بالفخر والاعتزاز والسعادة وهذا شيء فطري في النفس البشرية.
وربما هذا أحد الأسباب التي جعلت مرتادي مجلس الوالد -رحمه الله- من مختلف الفئات العمرية والثقافية، فمنهم من يحمل الشهادة الجامعية ومنهم -مع كل احترام- من لم يحصل على الشهادة الابتدائية، والوالد لا يختلف عن أبناء جيله، فقراءته وكتابته محدودة جدًا لا تتعدى بعض الكلمات، لكنه طوال حياته كان حريصًا على إقامة وحضور مجالس الذكر والمشاركة في المناسبات الاجتماعية المختلفة وتوطيد علاقات طيبة مع الجميع، وهذا يشكل رافدًا ثقافيًا لا يستهان به. فالمختصون والمهتمون بشؤون التطوير والتدريب، يعلمون الدور الكبير للعلاقات الاجتماعية في تطوير الأفراد من خلال تبادل الخبرات والتجارب المختلفة، وتعزيز الصحة النفسية والتشجيع على السلوكيات الصحية وإثراء المخزون المعرفي للأفراد.
عُرف عن البعض من الآباء التقليديين من جيل المخضرمين ممن عاصروا وصارعوا ظروفًا صعبة جدًا على كل المستويات الشدة والغلظة في التعامل، وربما هذا انعكاس لطبيعة الظروف القاسية والصعبة التي نشأوا فيها، والتشبث بالرأي وعدم الاستماع لوجهة نظر وأفكار الآخرين. وهذا ربما يرجع لتمسكهم بالماضي وعدم الرغبة في "التحديث" والعيش في العصر الحاضر والاستفادة من الثروة المعلوماتية المتاحة. ونظرة عدم الثقة لمن هم أقل منهم عمرًا، حيث في نظرهم أن حنكة الشخص تقاس بسنوات عمره، وليس كما يراها البعض الآخر، بأن حكمة الأشخاص تقاس بما يملكون من معرفة وخبرة وتجارب وإنجازات.
ليس تقليلًا من مكانة القدامى التقليديين فكلهم خير وبركة، تحملوا الكثير من المتاعب وبذلوا كل ما في وسعهم، بالرغم من صعوبة الحياة من أجل تربية وتنشئة الأجيال؛ ليكونوا أشخاصًا صالحين في مجتمعاتهم، حفظ الله الباقين منهم وأطال في أعمارهم، ورحم الله الماضين وجزاهم الله عنا خير الجزاء.
كما أنه لا يوجد صح أو خطأ في الموضوع، ولكنها مدارس مختلفة وقناعات شخصية، وكل شخص منّا له مبرراته الخاصة لما يقوم به، شريطة ألا تتعارض تلك المبررات مع المبادئ والوقوع في المحظور، فالبعض يرى أن الحزم والصرامة من العوامل الأساسية في التربية الصحيحة، والبعض الآخر يرى أن استخدام اللين والدبلوماسية (المُسايَسة) في مواقف معينة يكون أكثر فاعلية!
البعض يمتلك المقدرة ويتمتع بالمرونة اللازمة، للتكيف والاندماج مع بعض التغيرات الثقافية التي طرأت على المجتمعات على مر العقود. فعلى سبيل المثال، بعض الممارسات لم تكن مقبولة اجتماعيًا أو عرفيًا قبل عدة عقود من الزمن، ولكنها في وقتنا الحالي أصبحت ممارسات طبيعية وجزءًا من ثقافة المجتمعات.
حدثنا أحد الأساتذة الذي كان يبدو حينها في منتصف الأربعين من عمره، أثناء دراستنا الجامعية قبل قرابة الثلاثة عقود من الزمن حكى قصة مفادها: أن أباه كان يعاقبه عندما يقوم بشراء البليلة من الشارع أثناء خروجه من المدرسة في المرحلة الابتدائية، وليس بالضروري أن يكون العقاب في الاستعانة بالعصا أو الخيزران حيث كان سائدًا في تلك الحقبة الزمنية، ولكن ربما باستخدام أسلوب آخر مثل الحرمان من شيء مفضل، وبعد مرور السنوات ومواصلته الدراسات العليا وحصوله على شهادة الدكتوراه وانخراطه في سلك التعليم الجامعي وتقدم أبوه كذلك في العمر، إلا أن الأب نفسه أصبح يصر يوميًا على تناول البيتزا من أحد المطاعم المشهورة بل قد يصل الموضوع إلى الزعل عندما لا تكون البيتزا حاضرة على المائدة (السفرة)!
في بعض الأحيان، تتغير قناعات الأفراد مع مرور الوقت واختلاف التجارب، وفي بعض الأحيان عندما يتعلق الموضوع ببعض الأمور التي لا يمكن للأفراد تغييرها، لا تكون القناعة الشخصية هي الفيصل بل تقبل الوضع كما هو عليه، طمعًا في تحقيق استقرار نفسي وخلق أجواء أكثر إيجابية تمكننا من المضي قدمًا نحو تحقيق أهدافنا، أو كما نقول بلهجتنا العامية "اشتري راحتك" ولكن من الضروري جدًا ألا تكون تلك التنازلات أمورًا جوهرية تتعارض مع تعاليم الشارع المقدس والقيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، فهي خطوط حمراء لا يمكن المساس بها أو المساومة عليها. فليس من المنطق الإتيان بتصرفات مشينة وغير مقبولة بحجة وذريعة "نعيش في 2024" أو فلان من الناس يقوم بنفس الأعمال! فمن الضروري أن تكون القدوة الحسنة مثلًا يحتذى به في التصرفات السليمة والصحيحة!
والبعض لا يمتلك الرغبة ليكون جزءًا من التغيير ويكتفي بالمشاهدة، والبعض الآخر يتمسك بمبدإ التربية وحدة "يتربون زي ما ربينا إخوانهم"! لا عيب أن يتربى أفراد العائلة الواحدة بنفس الطريقة، لكن لا يجب تجاهل الظروف والمعطيات والمتغيرات والتحديات والقوانين لكل فترة زمنية، فلم يعد شراء البليلة من "عربات فود ترك" أمرًا يستوجب العقاب. بعبارة أخرى، ليس من المنطق التعامل مع جيل يتغذى على "الواي فاي" حيث الانفتاح والتطور العلمي والتكنولوجي السريع بنفس طريقة التعامل مع "جيل الأبيض والأسود" حيث كانت الخيارات على كل الأصعدة محدودة، وعجلة التطور تسير بشكل بطيء، يجب على شركاء التربية من الآباء والأمهات أن يتفاعلوا مع أطفالهم بطرق مختلفة وبحسب ما تقتضيه المصلحة.
مما لا شك فيه يطمح الآباء والأمهات دائمًا إلى رؤية أبنائهم في أعلى المراتب وأفضلها، لكن المصلحة لا تعني، مع كل احترام، أن يكون رجل دين في الوقت الذي يحلم فيه أن يكون طبيبًا، بل المصلحة تقتضي منحهم الحرية في اتخاد القرارات وبالخصوص المصيرية منها، وتحمل المسؤولية والوقوف إلى جانبهم، ودعمهم وتوجيههم وإرشادهم، ومشاركتهم الخبرات لتحقيق أهدافهم، والبعد عن المبالغة في الحرص الذي من شأنه أن يتحول لضغوطات، وبالتالي يكون أحد المعوقات التي تحول بينهم وبين تحقيق الأهداف.
تتطلب المرونة الانفتاح على أفكار وتجارب الآخرين وكذلك مواكبة التغيرات. والتكيف مع المعطيات. المرونة مطلوبة في كثير من الأمور الحياتية، والعلاقات الأسرية وتربية الأبناء ليست استثناءً، كما أن الأسرة تشكل عاملًا رئيسًا في صقل شخصية الأفراد وبناء مستقبلهم، لما تعكسه ممارسات الوالدين على مسيرة الأبناء وتصرفاتهم وحتى طريقة تفكيرهم، وتعاطيهم مع الأمور.
تتلخص المرونة في التربية بمقولة الإمام علي عليه السلام "لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".
لستُ هنا للحديث عن حالة فريدة من نوعها، لكنها تجربة شخصية حيث تتردد على مسامعنا في كثيرٍ من المناسبات عبارات الثناء والإشادة بالوالد في حياته وبعد مماته، ومما لا شك فيه، فإن مثل هذه العبارات تشعرنا بالفخر والاعتزاز والسعادة وهذا شيء فطري في النفس البشرية.
وربما هذا أحد الأسباب التي جعلت مرتادي مجلس الوالد -رحمه الله- من مختلف الفئات العمرية والثقافية، فمنهم من يحمل الشهادة الجامعية ومنهم -مع كل احترام- من لم يحصل على الشهادة الابتدائية، والوالد لا يختلف عن أبناء جيله، فقراءته وكتابته محدودة جدًا لا تتعدى بعض الكلمات، لكنه طوال حياته كان حريصًا على إقامة وحضور مجالس الذكر والمشاركة في المناسبات الاجتماعية المختلفة وتوطيد علاقات طيبة مع الجميع، وهذا يشكل رافدًا ثقافيًا لا يستهان به. فالمختصون والمهتمون بشؤون التطوير والتدريب، يعلمون الدور الكبير للعلاقات الاجتماعية في تطوير الأفراد من خلال تبادل الخبرات والتجارب المختلفة، وتعزيز الصحة النفسية والتشجيع على السلوكيات الصحية وإثراء المخزون المعرفي للأفراد.
عُرف عن البعض من الآباء التقليديين من جيل المخضرمين ممن عاصروا وصارعوا ظروفًا صعبة جدًا على كل المستويات الشدة والغلظة في التعامل، وربما هذا انعكاس لطبيعة الظروف القاسية والصعبة التي نشأوا فيها، والتشبث بالرأي وعدم الاستماع لوجهة نظر وأفكار الآخرين. وهذا ربما يرجع لتمسكهم بالماضي وعدم الرغبة في "التحديث" والعيش في العصر الحاضر والاستفادة من الثروة المعلوماتية المتاحة. ونظرة عدم الثقة لمن هم أقل منهم عمرًا، حيث في نظرهم أن حنكة الشخص تقاس بسنوات عمره، وليس كما يراها البعض الآخر، بأن حكمة الأشخاص تقاس بما يملكون من معرفة وخبرة وتجارب وإنجازات.
ليس تقليلًا من مكانة القدامى التقليديين فكلهم خير وبركة، تحملوا الكثير من المتاعب وبذلوا كل ما في وسعهم، بالرغم من صعوبة الحياة من أجل تربية وتنشئة الأجيال؛ ليكونوا أشخاصًا صالحين في مجتمعاتهم، حفظ الله الباقين منهم وأطال في أعمارهم، ورحم الله الماضين وجزاهم الله عنا خير الجزاء.
كما أنه لا يوجد صح أو خطأ في الموضوع، ولكنها مدارس مختلفة وقناعات شخصية، وكل شخص منّا له مبرراته الخاصة لما يقوم به، شريطة ألا تتعارض تلك المبررات مع المبادئ والوقوع في المحظور، فالبعض يرى أن الحزم والصرامة من العوامل الأساسية في التربية الصحيحة، والبعض الآخر يرى أن استخدام اللين والدبلوماسية (المُسايَسة) في مواقف معينة يكون أكثر فاعلية!
البعض يمتلك المقدرة ويتمتع بالمرونة اللازمة، للتكيف والاندماج مع بعض التغيرات الثقافية التي طرأت على المجتمعات على مر العقود. فعلى سبيل المثال، بعض الممارسات لم تكن مقبولة اجتماعيًا أو عرفيًا قبل عدة عقود من الزمن، ولكنها في وقتنا الحالي أصبحت ممارسات طبيعية وجزءًا من ثقافة المجتمعات.
حدثنا أحد الأساتذة الذي كان يبدو حينها في منتصف الأربعين من عمره، أثناء دراستنا الجامعية قبل قرابة الثلاثة عقود من الزمن حكى قصة مفادها: أن أباه كان يعاقبه عندما يقوم بشراء البليلة من الشارع أثناء خروجه من المدرسة في المرحلة الابتدائية، وليس بالضروري أن يكون العقاب في الاستعانة بالعصا أو الخيزران حيث كان سائدًا في تلك الحقبة الزمنية، ولكن ربما باستخدام أسلوب آخر مثل الحرمان من شيء مفضل، وبعد مرور السنوات ومواصلته الدراسات العليا وحصوله على شهادة الدكتوراه وانخراطه في سلك التعليم الجامعي وتقدم أبوه كذلك في العمر، إلا أن الأب نفسه أصبح يصر يوميًا على تناول البيتزا من أحد المطاعم المشهورة بل قد يصل الموضوع إلى الزعل عندما لا تكون البيتزا حاضرة على المائدة (السفرة)!
في بعض الأحيان، تتغير قناعات الأفراد مع مرور الوقت واختلاف التجارب، وفي بعض الأحيان عندما يتعلق الموضوع ببعض الأمور التي لا يمكن للأفراد تغييرها، لا تكون القناعة الشخصية هي الفيصل بل تقبل الوضع كما هو عليه، طمعًا في تحقيق استقرار نفسي وخلق أجواء أكثر إيجابية تمكننا من المضي قدمًا نحو تحقيق أهدافنا، أو كما نقول بلهجتنا العامية "اشتري راحتك" ولكن من الضروري جدًا ألا تكون تلك التنازلات أمورًا جوهرية تتعارض مع تعاليم الشارع المقدس والقيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، فهي خطوط حمراء لا يمكن المساس بها أو المساومة عليها. فليس من المنطق الإتيان بتصرفات مشينة وغير مقبولة بحجة وذريعة "نعيش في 2024" أو فلان من الناس يقوم بنفس الأعمال! فمن الضروري أن تكون القدوة الحسنة مثلًا يحتذى به في التصرفات السليمة والصحيحة!
والبعض لا يمتلك الرغبة ليكون جزءًا من التغيير ويكتفي بالمشاهدة، والبعض الآخر يتمسك بمبدإ التربية وحدة "يتربون زي ما ربينا إخوانهم"! لا عيب أن يتربى أفراد العائلة الواحدة بنفس الطريقة، لكن لا يجب تجاهل الظروف والمعطيات والمتغيرات والتحديات والقوانين لكل فترة زمنية، فلم يعد شراء البليلة من "عربات فود ترك" أمرًا يستوجب العقاب. بعبارة أخرى، ليس من المنطق التعامل مع جيل يتغذى على "الواي فاي" حيث الانفتاح والتطور العلمي والتكنولوجي السريع بنفس طريقة التعامل مع "جيل الأبيض والأسود" حيث كانت الخيارات على كل الأصعدة محدودة، وعجلة التطور تسير بشكل بطيء، يجب على شركاء التربية من الآباء والأمهات أن يتفاعلوا مع أطفالهم بطرق مختلفة وبحسب ما تقتضيه المصلحة.
مما لا شك فيه يطمح الآباء والأمهات دائمًا إلى رؤية أبنائهم في أعلى المراتب وأفضلها، لكن المصلحة لا تعني، مع كل احترام، أن يكون رجل دين في الوقت الذي يحلم فيه أن يكون طبيبًا، بل المصلحة تقتضي منحهم الحرية في اتخاد القرارات وبالخصوص المصيرية منها، وتحمل المسؤولية والوقوف إلى جانبهم، ودعمهم وتوجيههم وإرشادهم، ومشاركتهم الخبرات لتحقيق أهدافهم، والبعد عن المبالغة في الحرص الذي من شأنه أن يتحول لضغوطات، وبالتالي يكون أحد المعوقات التي تحول بينهم وبين تحقيق الأهداف.
تتطلب المرونة الانفتاح على أفكار وتجارب الآخرين وكذلك مواكبة التغيرات. والتكيف مع المعطيات. المرونة مطلوبة في كثير من الأمور الحياتية، والعلاقات الأسرية وتربية الأبناء ليست استثناءً، كما أن الأسرة تشكل عاملًا رئيسًا في صقل شخصية الأفراد وبناء مستقبلهم، لما تعكسه ممارسات الوالدين على مسيرة الأبناء وتصرفاتهم وحتى طريقة تفكيرهم، وتعاطيهم مع الأمور.
تتلخص المرونة في التربية بمقولة الإمام علي عليه السلام "لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".



