12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

البحر والرزق!

عندما أزور سوق الأسماك في مدينة القطيف أو جزيرة، وكنت زرتها عصر اليوم، لشراء كمية من الروبيان الطازج، ندخره لأيام عدم الفسح في الصيد - من لم يجرب هذا النوع من الروبيان الفاخر طار نصف عمره - أتذكر والدي -رحمه الله- والجيل القديم من صيادي الأسماك في جزيرة تاروت.

كان صيدهم بالطرق التقليدية القديمة؛ يبنون أحواش "حضرة" من جريد النخل على شكل V، تدخل الأسماك فيها وقت المد ولا تستطيع الخروج، وعند الجزر يأتي الصياد ليجمع ما بداخلها. لم يكن للوالد ساعة في الصيد إنما البحر من يتحكم في التوقيت بالمدّ والجزر. عندما يكون الوقت مناسبًا في أي ساعة من الأربع والعشرين ساعة، ليلًا أو نهارًا، فذلك هو التوقيت، صيف حار وشتاء بارد وفيما بينهما من تغير أحوال الطقس. أسوأ أيام المهنة حين تهب الرياح القوية وتقتلع الحضرة وعلى البحار أن يعيد بناء ما خربته الريح وفي نفس الوقت لا يتمكن من الصيد!

مهنة صعبة لا يمكن التنبؤ بكم يصطاد الصياد؛ قد يعود خالي الوفاض ولا شيء في الشباك ليالٍ عديدة، يحمل معه هم مصاريف العائلة وتكلفة بناء وإصلاح حضرة الصيد. أو يعوضه الله في حصاد ليلة واحدة ما خسره في الموسم كله. هذا هو البحر فيه من الثروات ما في البر وأعظم وعندما أزور السوق في هذه الآونة وأرى أسعار ما يعرض فيها أتذكر الأيام الخوالي والأسعار التي يبيع بها الوالد ورفاقه؛ ريالات قليلة لأجود أنواع السمك. لكل زمان عائد على الاستثمار تقتضيه تكلفة المشروع.

في سنوات الطفولة كنت أختبئ بين النخيل في انتظار أن يمر الوالد -رحمه الله- ممتطيًا ظهر الحمارة ويتعطف عليَّ بالنزهة فى البحر يومًا بكامله. يومًا طويلًا لكنه مليء بزهو الرجولة. 

على الإنسان أن لا ييأس من تحصيل الرزق في أي مكانٍ أو زمان كان. بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال "من خلق الإنسان خلق الرزق". إذا ما أيقن الإنسان أن المطلوب منه هو السعي والحركة فإن وعد الله له بالحصول على الرزق حاصل حتمًا. {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}؛ يا عبدي امشِ وتحصل على رزقك. الله سبحانه وتعالى تكفل بالرزق وعلينا التفكير في الرزق والسعي إليه بما شرع من الوسائل.

سبحانه وتعالى خلق الثروات الطبيعية ووزعها بين اليابسة والماء رزقًا لعباده وليس الأسماك إلا واحدة من الثروات العظيمة التي خلقها الله في البحار إضافة إلى مختلف أنواع من المعادن الثمينة وبكميات وافرة!


error: المحتوي محمي