12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ما زلت صغيرًا يا بُني!

مهما كبر الإنسان، ومهما حاول أن يثبت لوالديه، سيظل في عينيهما أصغر مما يظن، وليس ذلك تقليلًا من شأنه، وإنما هي العاطفة والمحبة له، والخوف عليه حتى من هبة النسيم، ولهذا هما يحرصان على توجيهه وإرشاده ونصحه بطريقتهما، ومن خلال ما اكتسباه خلال حياتهما، وهذا لا يعني بالضرورة أن حكمهما مطلق في كل ذلك، ولكن هكذا هما يعتقدان لسبب حرصهما وخوفهما عليه، مهما تعلم واكتسب وفهم وعقل، فغريزة الأبوة والأمومة شيء آخر لا يمكن أن يفهمه الإنسان المقبل على الحياة حتى يصبح أبًا وله أبناء، ويشعر بما يشعر به والداه، وكيف أنهما يكونان حريصين عليه أكثر من نفسه ونفسيهما.

بالمقابل، وحين نعكس الصورة، ومن خلال نظرته وما يتصوره هو، باعتقاده أنه قد كبر واشتد عوده، وظن أن لا حاجة لهما فيما يريان، سيما وقد دخلا مرحلة عمرية، لا يتوافق فيها تفكيرهما مع تفكيره وأسلوب حياته، فالزمان غير الزمان والإنسان غير الإنسان، وهذا ما يجافي الحقيقة واقعًا، حيث لا تعني تقلبات الحياة وتغييراتها أن يمر المرء على المسلمات والثوابت والقيم والأعراف والواجب والمحرم مرور الكرام، وشطبها من قاموسه، واستبدالها بما لا يتوافق معها من الثوابت الإنسانية والأخلاقية، والربانية بالذات أولًا وآخرًِا.

يجب على الإنسان أن يعرف قيمة ما يَتلقاهُ سواء من أبويه أو من غيرهما، ولا ننكر هنا أنه ليس كل الآباء والأمهات على حد سواء في المعرفة والحكمة والنباهة وما إلى ذلك، وإن تساووا في المحبة والمشاعر تجاه أبنائهم -وفي هذا وجهة نظر أيضًا- حيث إن هناك من الأبناء من يحظى بأبوين أو أحدهما - صالحين متعلمين، متفتحَين، ومنفتحَين على غيرهما وخاصة على فلذات كبديهما، وهذه نعمة من الله على الأبناء، في المقابل هناك من لم تسعفهما الحياة وقسوتها، ولا ظروفهما على التعلم والمعرفة، أو التفرغ لتربيتهم، وصقل تجاربهم ولا حتى ترجمتها لهم بالشكل الذي يفيدهم، وهو ما يضاعف من مهمتم في حياتهم المقبلة.

هنا لا بد من الموازنة والممازجة والتوفيق بين ما يراه الإنسان في نفسه، وما اكتسبه ويكتسبه من والديه بالذات، فضلًا عما اكتسبه ويكتسبه من الآخر الإنسان مثل الأقارب والأصدقاء وتجارب الناس، وإن كان ذلك لا يوازي ما يقدمه الوالدان لابنهما أو ابنتهما قيمة وإيثارًا وتضحية، وبصدق لا يعادله ما يقدمه غيرهما، مهما كانت الصلة، ولهذا فإن على المرء أن يكون حريصًا على مشاعر والديه وأحاسيسهما من هذه الناحية، تمامًا كحرصه على الأخذ منهما، وما من شك أن ما يقدمانه له هو عصارة تجاربهما وخبراتهما، مما تعلماه خلال حياتهما، فلا أقل من أن يوازن كما قلنا أفكاره وأفكارهما، ويستخلص منها ما ينفعه منهما، وهذا هو عين الصواب.

والسلام.


error: المحتوي محمي