12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مت فارغًا.. هل استوقفك هذا العنوان؟!

عن نفسي، سمعت بهذا العنوان كثيرًا جدًا وبعدة صيغ وكان يمر عليَّ مرور الكرام ولكن في آخر مرة سمعته اختلف الحال وكأني أسمعه لأول مرة. استوقفني طويلًا وأخذت أتأمله وأفكر فيه كثيرًا وسألت نفسي مرات عديدة وفي فترات متباعدة: هل أريد أن أموت فارغًا، أم ...؟!

آخر مرة سمعته من خلال مقطع فيديو أرسله لي ابن عمتي أبو علوي، السيد شرف السعيدي، وكان الفيديو يحكي هذه القصة: خلال أحد الاجتماعات المهمة لرجال الأعمال، سأل مدير أمريكي الحضور قائلًا: ما هو أغنى مكان في العالم؟ فأجابه أحدهم قائلًا: بلاد الخليج الغنية بالنفط. وأضاف آخر: مناجم الألماس بإفريقيا. وآخر: اليابان بلد التطور والتكنولوجيا. سكت المدير لوهلة وعقب قائلًا: كل إجاباتكم منطقية ولكنها غير صحيحة؟! تفاجأ الحضور وعم السكوت.

الآن عزيزي القارئ، قبل أن تكمل القراءة، أجب عن السؤال: في رأيك، ما هو أغنى مكان في العالم؟ فكر مليئًا. ثم دَوِّنْ إجابتك على ورقة. أكمل المدير قائلًا أغنى مكان في العالم هو: "المقبرة".

عزيزي القارئ، أحضر قلمًا ودفترًا واكتب: الأفكار التي في ذهنك ولم يسمع بها أحد. المعلومات التي في جعبتك ولم تنقلها لأحد، المهارات التي تمتلكها ولم تعلمها لأحد، الخبرات التي حصلت عليها ولم ينتفع بها أحد غيرك.

عزيزي، "مت فارغًا" ولا تكن مثل الملايين من البشر الذين جعلوا "المقبرة" أغنى مكان في العالم، لأنهم رحلوا إليها وهم يحملون الكثير من الأفكار الرائعة والمعلومات والمهارات والخبرات القيِّمة التي لم تخرج إلى النور ولم يستفد منها أحد سوى "المقبرة" التي دفنوا فيها. 

إجابة المدير هي التي ألهمت تود هنري لكتابة كتابه الرائع: "مت فارغًا". من العبارات التي وردت في الكتاب: "لا تذهب لقبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائمًا أن تموت فارغًا".

بعد أن استمعت لهذا الفيديو تذكرت أيضًا سؤالًا جميلًا ومثيرًا للتفكير أثاره المتحدث والمحفز العالمي "لس برون في أحد لقاءاته التي كانت بعنوان: "عش مليانًا ومت فارغًا". والسؤال الذي أثاره لس هو: "لو أنك مت اليوم، ما هي الأحلام والأفكار والمواهب والقدرات القيادية التي ستموت معك؟".

استماعي لهذه العبارات، جعلني أفكر مليًا في السؤال التالي: ماذا عليَّ أن أعمل لكي أموت فارغًا؟! وكانت الفكرة الملحة التي استمرت تراودني كلما سألت نفسي هذا السؤال هي: "أوصل الرسالة لغيرك فمعظمهم يملكون أحلامًا وأفكارًا ومواهب وقدرات وخبرات وطموحات كبيرة جدًا" أكثر بكثير وأكبر بكثير مما تملكه أنت فلربما تحمسوا وتحفزوا وألهموا فتكون قد أحدثت تغييرًا ولو بسيطًا في حياة إنسان. 

وما دفعني وحفزني أكثر هو قوله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، [النساء 114]. وهذه العبارات المروية عن أمير المؤمنين عليٍ عليه السلام في نهج البلاغة: "مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ". و"افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئًا. فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّ أَحَدًا أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي فَيَكُونَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلًا فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ".

فاعمل الخير قارئي الغالي و"مت فارغًا" بعد إيصال رسالتك في هذه الدنيا، فكل منا لديه رسالة في هذه الحياة. فقرر يا عزيزي من الآن أن: "تعيش مليانًا ومت فارغًا". عش مليانًا باستثمار كل أوقاتك في الأعمال الخيِّرة ولكن مُتْ فارغًا بعد أن تعطي كل ما عندك للغير لينتفعوا به هم وينفعوا به غيرهم!


error: المحتوي محمي