12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أبو عبد المعطي التركي.. غواص في بحر التراث  ألقى مراسيه ورحل (1-2)

صباح الخميس 1446/2/25 بلغني خبر حزين عبر الواتساب، رسالة تمثل صورة شخصية غير ملونة -أسود وأبيض- مكتوب عليها (خادم الإمام الحسين عليه السلام، الحاج أبو عبد المعطي إلى رحمة الله).

تسمرت في مكاني مذهولًا بجلباب الصمت، واضعًا يدي على جبهتي معاتبًا نفسي بعتاب شديد، أخذت شهيقًا لكتمة ألمّت في صدري، زفرت الآهات تلو الآهات ورفعت أصابع يدي أدعك رأسي بأسى وحرقة على أيام تصرمت ولم أستثمرها بالشكل الأنسب للإبحار في ذاكرة مليئة بما لذ وطاب عن تاريخ البلد وماضيه السحيق، بعد برهة استعذت بالله، مترحمًا على روح هذا المؤمن، سمح الطلعة وقور الملامح.

عن أي ملامح أتأملها لتبيان صورة إنسان حريف في الكلم واليد والصوت والحسن، حاذق في تفاصيل الأشياء مستذكرًا حتى النسمات العابرة، وملمًا بحرائق سموم (الگيض) وأيام الطلل والعوز وتموجات اللازورد.

عن أي رحيل أتعقبه بعد فوات الأوان، نعي أم مرثية لأنين الروح، بتوق بين الوفاض والفيض، بين التأرجح وملامة النفس الأمارة بالتسويف، أي حديث بعد الرحيل، عن رجل من نسل طينة الأولين، المثقل بمورثات البحر وما خلفه الزبد على ظهور المتعبين.

تخبرنا النهمة وجر الخطفة وأنين الصواري عن طفل أخذه والده للبحر ليعوده على خشونة الحياة منذ وقت مبكر، فهو (التباب) على متن سفينة والده، ثم السابح في وجه الموج، والمغامر في ظلمات الهيرات، القابض على المحار، المفتش عن الدانات، والمشارك في إضرام النار لشد الطيران وقرع الطبول، الفرح مع (النواخذية والمجدمية ورجال البحر) رقصًا على أنغام (الهول واليامال) لملاقاة الأهل والخلان، وقت (الگفال) و(الردات).

أسدل شراع المحامل منذ 75 عامًا وبريد الشوق في عينيه لم يخبأ حتى آخر لحظة من عمره، رحل عنا حامل تراث الأولين والمشارك فيه وصانعه، رحل رجل ذو ذاكرة حية ترسم لك في بضعة عبارات مشاهد شظف العيش وحياة السعد وأيام الضنك وسنين العوز، رحل رجل عارف مسالك البحر وتقاليده، رحل رجل يحمل بين جوانحه مسرات وأوجاع الآباء والأجداد والأمهات والجدات. رحل رجل معروف على نطاق جزيرة تاروت، بكنية أبو عبد المعطي التركي الاسم الشائع شعبيًا عند مختلف طبقات المجتمع، ربما الكثيرون لا يعرفون اسمه، فهو الحاج/ عبدالله بن تركي بن حسين التركي، ما إن تسمع اسمه إلا ويتناهى لك صورته المتفائلة بالحياة لرجل قصير القامة عالي المكانة رفيع الهمة، يحدثك حديثًا وجدانيًا عن ما لذ وطاب عن حياة الأمس بكل عذاباتها وعنفوانها، ويأخذك إن أردت كشفًا للأسرار عن عبثية الدنيا ونزوات الشيطان، عبر تلاوته بعض (الزهيريات) التي توصف تقلبات الأنفس، وإن استفسرت عن مقصد الأبيات أكثر، يتبسم لك بمحبة بالغة قائلًا (خليها على الله)، أحيانًا تستخلص من لفتاته وشوارد الكلم بأن ما خفي كان أعظم، لكن المثل العربي يقطع عليك المسافة بعدم الاقتراب عن ذاك الطيش وتلك الشقاوة (رب كلمة تقول لصاحبها دعني)، عبثًا يتراقص الفضول استدراجًا، لكن حكمة رجل خبر الحياة يعرف قيمة الحديث الموزون، يختصر عليك الموقف ويقف عند حدود الكلام المباح فيجيبك تألقًا بزهيرية أخرى كما الحكمة البالغة بينما أصابع يديه تعبث بمسباحه ليفصل لك الحكايات المتاحة والمقروءة على تعابير وجهه.

من أي صفحة نفتحها لكتاب متنوع اسمه أبو عبد المعطي التركي لنستقرئ سيرة رجل نذر عمره للعمل والفن والنياحة على آل الرسول، ناثرًا السوالف المعلومة والمجهولة مبينًا صورًا غائبة وأخرى مستترة في غياهب السنين.

لن يكون الحديث تفصيليًا متسلسلًا فسوف يكون مثل هيجان الموج وتقلبات الريح من حال لحال، الحاج عبدالله التركي عاصر زمن الغوص في أوجه وانحساره، منذ أن كان صبيًا مرافقًا لوالده، حيث تمتع بنفس طويل تحت الماء، بحدسه وبفطنته انتشل ذات مرة الشاب حبيب القماره وهو غواص كبير لكنه علق في أعماق البحر بعد أن طالت مدة خروجه، نزل إليه تحت الماء فأمسكه من تحت إبطيه الأيمن وأبو عبد الأمير حسن عوجان من الأيسر وكلما رفعوه ذراعا أخذهم للأسفل باعًا، وتبعهم نزولًا لإنقاذ رجلين آخرين هما محمد علي اليوسف وعباس بن حبيب، وعبر سواعد الأبطال رفعوه سريعًا إلى سطح السفينة ثم ربطوا رجليه في (الفرمل) ورأسه للأسفل، تدفق الماء من جوفه نزولًا مثل ميزاب المطر، تدفق يشبه فوهة عين التوازي (خرررر) من كثرة المياه التي امتلأ بها جسمه، أنزلوه لا حراك فيه ولا نفس، قلبوه ذات اليمين وذات الشمال، قالوا خلاص الرجل مات، لحفوه بالأخياش وعملوا له دواء شعبيًا، ليمون اعماني مع ملح في مله -إناء- وسخنوه على النار قليلًا ثم رفعوا رقبته وغروه به ولم يستجب، فتحوا فاه وصبوه صبًا في فمه، دار في بطنه مثل دواء سحري فأخرج ما تبقى داخل مصرانه من ماء أخضر، بعد لحظات عادت أنفاسه للحياة، بسمات وضحكات مكثرين بالشكر لله والصلوات، موقف أربك البحارة وبعد لحظات التف على محملهم (جرجور كبير) سمكة قرش مخيفة عند (خور العظمة) والعيون ترصد بينما الغواصة توقفوا عن العمل، تحركوا قليلًا ولحق بهم، وكأنه يتوعدهم، الأغرب وسط هذه المخاوف وحالات الترقب، عاد الشاب حبيب للغوص ثانية لكن بعد أن نبذ النوخذة تركي هذه المغاصة التي اعتبرها مشؤومة، قائلًا (مغاصة ما تنبغى)، ارتحل عنها بمعية رجاله وحطت سفينتهم عند مغاصة أخرى تدعى (اليدر)، وحالهم يقول (مجبرًا أخاك لا بطل).

ثمة معلومة يدركها من خبر البحر حسب كلام أبو عبد المعطي (الهير كلما انهبش، سنة الجاية يزيد محاره واللي ما ينهبش يظل كأنه ميت) قصده ضرورة قطفه حتى لا يشيخ ويعطب، تمامًا مثل زرع اليابسة كلما تجدد قطفه تكاثر إنتاجه، فالمحار ينبت من حشائش قاع البحر بقدر ما تقتلعه دون الجذور فسوف يعطيك في الموسم القادم محارًا أكثر.

إن روح عبدالله التركي وثابة وهو لم يزل في ريعان الصبا فقد تنافس ذات مرة مع رجل داهية يدعى (عبدالوهاب الصيرفي) سباحة سريعة من قلب حمام باشا المسقوف مارًا بطول حمام تاروت المفتوح إلى حدود بساتين الدشة دون رفع الرأس، كسب التحدي فأصبح سباحًا ماهرًا في المائين الحلو والمالح، والأخير هو الأصعب والأخطر، هانت الصعاب في عينيه ولم يبل وبرهن للبحارة على ظهر ثلاث سفن يملكها والده الذي يعد واحدًا من أشهر نواخذية الغوص في جزيرة تاروت، وكل سفينة يملكها تحمل اسمًا:

1- محمل الحفيز:
أبو دگل واحد - خشبة طويلة صلبة تشد في وسط السفينة ويمد عليها الشراع - والحفيز أكبر المحامل عند ابن تركي والمجدمي جاسم العرادي رئيس البحارة مساعد النوخذة المسؤول عن حفظ وصيانة السفينة ونزويدها بالمواد التموينية من أكل وشرب ومعدات ولوازم.

2- محمل السعودة:
أبو دگل واحد وهو أصغر من الحفيز، والمجدمي عليه البحار حسن عباس أبومحمد التركي.

3-محمل شريدة:
أبو دگلين، والنوخذة تركي نفسه صاحب المحامل والمجدمي حبيب عليوات.

4- محمل لواح:
خاص بصيد الأسماك أوقات الشتاء.

هذه أربع سفن ملك للنوخذة الحاج تركي بن حسين التركي. ومن على سطح (محمل شريدة) الذي ضم على متنه 32 بحارًا من ضمنهم الكواي، وحسن عوجان، وعباس الحبيب وعباس بن سالم، وسلمان وعبد الله جليح، وغيرهم، تعلم الصبي عبدالله التركي حراك ومهارة الكبار وجاب معم عباب البحر برفقة والده مع كل موسم غوص منذ أن كان طفلا ابن عشر سنوات إلى أن بلغ الثامنة عشر، وفي حدود 1946- 1947 وقت انكسار الغوص خرج من البحر وحسب كلامه: (گفل الغوص والكل شال منامه وراح للكبني) أي العمل في أرامكو، ترك الشاب أهوال البحر وراءها والتحق بالشركة أواخر الأربعينات، قسم تحميل المراكب للزيت الخام. غادر أعماق البحر وهيراته الذي كان تحت أنظار والده بتشنيف سمعه بطرب النهام وعذوبة الألحان، إلى بحر رأس تنورة تحت أوامر العيون الزرقاء والخضراء، وضجيج أبواق السفن الضخمة وسط رطانة لغة جديدة، ومسافرًا على متن (التكات) لبنادر دول أخرى إلى حيث العشار في البصرة وعبادان في إيران إلى سترة في البحرين وصولًا إلى كراتشي باكستان وبومباي الهند.

محطات متنقلة من أجل صيانة سفن أرامكو في (الحوض الجاف) رحلات مستمرة على مدى أربعين عامًا اكتسب تقنية مهنية وإتقان لغة بني العم سام.

لكن إرث الغوص بقي يسري في عروقه كمجرى الدم، وأي حنين يخلب حواسه الذي تفتقت مداركه في خضم عوالمه، يستهويه الحديث بشكل مضاعف عن كل ما مر وما خبر وما عرف وشاهد وسمع عن أفانين البحر.

إذا فتحت له سيرة زمن الغوص يسرد لك المطولات ويدخلك في تخوم الحكايات لدرجة السامع يتيه في لجج ذكرياته خصوصًا غير الملم بالمصطلحات البحرية، أبو عبد المعطي لديه تصور كامل عن شجون وفنون الغوص كأنك تقرأ كتابًا مفصلًا عبر لسانه الطلق المستدرك كل صغيرة وكبيرة وكل شاردة وواردة.

يفصل السفينة تفصيلًا بكل قطعها الثابتة والمتحركة والبالغة عددها 270 اسمًا، مشيرًا لكل قطعة فيها والغرض من وجودها، موضحًا حراك البحارة على متنها، ومعددًا أسماء النواخذية والمجدمية، وأسماء أنواع السفن الخشبية التي تجوب البحر (البوم، السمبوك، الجالبوت، الدنگية، الهوري، الشوعي، البلم، الكتر، المشحوف)، وأما كان اصطفاف سفن الغوص 
على طول سيف السنابس، ومن كثرتها تحتك الواحدة بالأخرى حيث لا توجد فواصل بينهما وحسب وصف أبو عبد المعطي (يگحص التيس من محمل لمحمل)، دلالة على شدة التجاور.

ويذكر أكبر (بوم) في الجزيرة يملكها الحاج علي بن سلمان الضامن تدعى (أم الحمد) -بضم الحاء- ويشرح تقاليد إنزال السفن على سطح البحر وهي ملقاة على تلال (الرفيعة) والأخرى على (المسطح) غرب السنابس وذلك بعد إخضاعها للصيانة أي (الگلافة)، ويعدد أسماء أمهر (الگلاليف) وصغار وكبار (الطواشين)، وأشهر الغواصين الذين جابوا البحر دون خوف ولا وجل.

يمشي بك على الماء باتجاهات متعددة من طلوع الفجر للمغيب، راسمًا جغرافية البحر ومخاطره، وعن عدد الهيرات بأسمائها وأبعادها وأشهر المغصات ويحدد أماكنها مرتبة من سواحل جزيرة تاروت شمالًا وجنوبًا وشرقًا، ويحدثك عن سفينة (الراوية) التي تحدق عبر رجالاتها لأي سفينة ترفع الراية الحمراء على (الدگل) فتهب لنجدتها وعلى متنها (الفنطاس) وهو حوض لادخار الماء لتزودهم بما يحتاجون من شرب وأكل أو مساعدة في إصلاح أي عطب في الألواح.

ويسرد تراتبية رجال السفينة ودرجاتهم في أعراف البحر، وعن شح الأكل إلا من تمر وماء فقط وجبة رئيسية وحيدة وقت العشاء، ثم النوم كالخشب المسندة، ويوغل في رصد ما دار على ظهر المحامل من حراك ديناميكي وخطفات الشراع.

ولا ينسى ذكر أعماق المغاصات، عشرة باع أو أحد عشر باعًا وأعمقها وأخطرها ذات 20 باعًا، ويعلمك كيفية قياسها، ومعددًا أسماء أشهر النهامة على سطح السفينة وأعذبهم صوتًا، ويقول افلان صوته أحسن وهذا أجود.

مع أبو عبد المعطي تتناثر صور الذاكرة عبر سردياته الموغلة في القدم والمتشابكة زمانا ومكانا، ويشير لرجل يخرج من تاروت على ظهر حمار ويجوب قرى القطيف ليعلمهم باقتراب موسم الغوص مناديًا في الدروب بحثًا عمن يريد بقوله (من يبغى العمل يتزهب، الموعد باچر عند لرفيعة)، يأتونه شبانًا على أتم الاستعداد وآخرون سبق لهم العمل، من ضمنهم صالح المگير من القديح وحسين آل سعيد أبوصالح من العوامية المغامر في البحر والرجل الشجاع في البر الذي يسبق الخيل من سرعته طارد الدگاگة وهزمهم بنفسه، سواعد شبان يجتازون (المگطع) عصرًا ويباتون ليلًا على متن المحامل الراسيات على سيف الرفيعة ينهض الجمع منذ تباشير الفجر، صلاة وأدعية وسواعد متأهبة لقد حان وقت (البريخة) أي سحب جماعي للسفن، بحارة موزعين في كلا الجهتين وفي كل جهة يقف نهام ليشدوا بالزهريات يجاوبه صاحيه في الجهة الأخرى، نهمات لرفع معنويات البحارة، وشد من عزمهم حتى ترتمي جميع السفن في حضن الماء وعلى ظهر كل سفينة ينشد النهام أجمل الألحان البحرية. أجمل الأصوات اختارها بعناية النوخذة بن تركي حسين التركي، مثل النهام حبيب عليوات صاحب الصوت العذب الذي يقلده حاليًا شخص من البحرين محمد العبدالله، وينافسه حبيب عبدالله الماجد عم أبو يوسف الماجد، الذي شبه صوته بصوت احضيري أبوعزيز من قوة شجنه فقد سمعه ذات مرة بحارة من الكويت فسادهم الصمت لجمال صوته وتمنوه أن يكون عندهم. وآخرون مثل عبدالله المهر نهام كبير، وأبناء الصايغ عيسى وحجي علي وجاسم الضامن أبو أحمد، وإبراهيم الأبيض والأخير سقط ذات مرة من فوق نخلة لا يلوي على شيء، حملوه الرجال ووضعوه في جوف حمام تاروت وعلى عتباته أتى المراخون (وگرطعوا ظهره) أي دلكوه ثم رفعه واحد ظهر بظهر، بعصرة خاطفة وعلى أثرها سمع إيقاع سلسلة فقرات ظهره، في الحال صح وكأنه لم يتعرض لأي أذى.

كل هؤلاء النهامين أنشدوا على ثلاثة محامل عند تركي بن حسين التركي. هذا النوخذة الكريم والسخي وقت (العباط) أي عطلة قصيرة عن العمل بعد مغيب أسبوعين أو عشرين يومًا في عرض البحر، يأتون على متن (الجوالبيت) شوقًا للزوجات وحسب قول الحاج عيسى المبشر (نسوان ما يتبطحن عنا)! ولذة من طعام بعد صلاة المغرب في بيت النوخذة أشبه بالوليمة الفاخرة، يتسامرون ساعة ويذهبون لبيوتهم خفافًا لمعانقة الزوجات.

بعد انقضاء ثلاث ليال يعاودن البحر بعد أن استراحوا وجددوا لياقتهم، واطمأنوا على أحوال أسرهم، تتجدد معاركهم البحرية (روحة وردة) ثانية وثامنة طوال موسم الغوص.











error: المحتوي محمي