12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

السيرة الذاتية.. هوية إنسانية بامتياز

ليس الإنسان هو فقط هذا التقويم الظاهري الذي خلقنا الله تعالى عليه وأحسن خلقه وتصويره، وإن كان ذلك من الغايات  الغاليات. هذه صنعته عز وجل، ويبقى الجوهر هو الذي نحتويه ويحتوينا فردًا فردًا، وهو الذي يحدد هوياتنا وإنسانيتنا وسيرتنا الذاتية مدى أعمارنا وما بعدها. أما غير ذلك فنحن سواء في الخلقة التي  قدرها سبحانه والتي نتفاوت فيها أيضًا.

يتشكل الفرد منا في صفاته وقدراته وقيمه الذاتية خلال مسيرة حياته من خلال تغذيات تختلف من شخص لآخر، وهي تتنوع ما بين التربية والتجربة والعادات والتقاليد والأعراف والعلاقات، وما يسبغه المجتمع المحيط حوله فضلًا عن الدين والتعليم  والانخراط في الحياة العملية والاجتماعية والتي يفترض بالتالي أن تشكله، وتظهره بهيئته المتكاملة مظهرًا وجوهرًا.

وعليه ألا يكتفي بذلك، بل يحرص على تنمية معارفه ومداركه وقدراته، وأن ينتمي فعليًا لمحيطه فاعلًا في مجتمعه، ويتشرف بخدمة الناس في المكان والزمان المناسبين، ليسمو ويرتقي، وتكون له بصمته الخاصة التي لا تمحوها الأزمان.

يتكامل الإنسان كلما ارتقى بإنسانيته وهذبها وحصنها وحماها، ليصبح مميزًا عن جدارة، ومعروفًا ومحترمًا في  مجتمعه، وفي مختلف الأماكن والمناشط والمكونات المجتمعية المحيطة، ويكون محط أنظار مريديه لكل غاية وهدف، لأنه وبلا شك سوف يكون إضافة واعدة بالنجاح ورائدة في تحقيق التطلعات، وجديرًا بالثقة متى ما وظف قدراته بالطريقة المثلى التي اكتسبها وينشدها من أولاه ذلك. وبالتالي سوف يرتقي ويتميز أكثر وأكثر، شرط أن يكون بعيدًا عن الأنا والبحث عن الذات، حتى يكسب الاحترام والتقدير والثقة من محيطه أجمع.

ويلزم عندها وهو الأهم أن يحافظ على شخصيته ومكتسباته، بعيدًا عما يوهنها ويغيبها من العُجْب والتعالي والاعتداد بالنفس، لأن ذلك يعد من المزالق الخطرة، والتي ربما تجرفه إلى جرف يهوي به فلا تقوم له قائمة بعدها.

هذا النوع من الأفراد وأمثاله هم المؤهلون للمسؤولية والذين تشفع لهم سيرهم الذاتية بذلك، فضلًا عن معرفة مجتمعاتهم بهم من خلال التجربة والدليل والبرهان، وإن كان البعض لا يملك موهبة القيادة، كما هو حال مختلف المواهب التي تتوفر في أفراد دون غيرهم.

لهذا نقول بأن الرغبة الجمعية في الفرد ضرورية لجهتين، الأولى: هي التزكية التي تأتيه من خلال مقياس التكامل والتفاضل بين أفراد المجتمع أو المنظومة المنضوي تحتها، والثانية: هي الثقة الكبيرة التي يكتسبها الفرد في نفسه من خلال ذلك، وهو المهم هنا لما له من انعكاس إيجابي عليه، حيث يوفر له ذلك دافعًا معنويًا كبيرًا يجعله متحمسًا للعمل والعطاء في أجواء إيجابية وصحية.

ولكن السؤال: هل يمكن أن نسلم بما سلفَ بشكل مطلق ودون توقعات ربما تسقط هذه المثالية؟ نجيب بالنفي على ذلك، إلا من خلال التجربة العملية، حين ينخرط الإنسان في مجموعة بعينها، كأن يكون موظفًا، أو فاعلًا اجتماعيًا أو منتسبًا إلى منظومة خدمية تطوعية أو رسمية، أو غيرها بما يتماهى مع قدراته ويستطيع بذلك بذل ما يستطيع من جهد مستحضرًا ما يملك من مقومات يخدم بها مجتمعه. 

هنا يستطيع ومن خلال ما يمتلكه من قدرات أن يشخص الوضع،  ويتأكد من مدى استعداده وقدرته على التكيف مع المجموعة أو المجموعات التي سوف ينخرط معها، مع الحفاظ على مبادئهِ ومسلماته التي اكتسبها وآمن بها عن قناعة وصدق.

الانتساب لمجموعة معينة دون تمحيص ودراسة ربما يرتد سلبًا على الفرد خاصة إذا ما كانت متفاوتة العقليات والقدرات، ومختلفة الغايات، عندها تكون هذه المجموعة عبثية، تضع المرء فيها بين خيارين؛ إما الانسياق مع الجماعة في أسلوبهم وبالتالي في قراراتهم  الارتجالية والعشوائية حتى لا يكون فردًا شاذًا بينهم، وخاصة إذا ما كانوا يرضخون لرأي المسؤول أو القائد، من مبدأ عدم المخالفة، أو فرض الصوت الأقوى وهو المنصب، أو ربما الاثنين معًا، وهنا تختلط المفاهيم وتضيع القيم والمبادئ، وتُغيَّب الحقيقة، وتُهمش الحكمة والوعي والعلم، ويتضح جليًا عدم التوافق والانسجام خاصة مع بروز العوائق والمشاكل، والتي تحتاج إلى عقول  وقدرات وتميز، قد أصبحت مغيبة وسط عشوائية لم تكن محسوبة ، وربما فرض الرأي الواحد وهو المسؤول الأول على الجميع، عندها تتفاقم المشاكل، فتتكشف الأمور ليتضح ما هو خلاف ما كان يأمله ويتمناه، ولهذا نقول بأنه يجب الحذر هنا من البداية، وقبل وقوع الفأس في الرأس.


error: المحتوي محمي