12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تحية إجلال لصانعات الأجيال المربيات الفاضلات

ها هو ذاك اليوم الدراسي الأول الذي لا يغادر ذاكرتي، يقودني لعقود طويلة لتأمل نفسي البسيطة، كنت وقتها أتأبط حقيبة المدرسة دون دراية ماذا ينتظرني، وأذكر فيها صوت أمي لأعود محملة بشعور ثمة نعاس برأسي، حيث ليلتها لم أنم شوقًا ولأول مرة للذهاب للمدرسة القريبة من منزلي. 

ودارت الأيام ومضت الأعوام، وكان حلم حياتي (رغم عدم حصولي على مؤهل عال من الدرجات) أن أكون معلمة حيث أحببت أن يكون لي تأثير على جيل كامل، وتحقق هذا الحلم عندما التحقت بأرامكو ودرست اللغة الإنجليزية، إلى جانب تخرجي في كلية الآداب بالدمام، وبعد تقاعدي من العمل وحصولي على تجارب ثرية بدأت بمشروعي التطوعي للتعليم الإنساني الخاص، وعندما بدأت التدريس الذي أعددته بنفسي لما أتمتع بإمكانيات الكتابة، لكنني تعجبت جدًا كيف تمكنت من دمج التدريس بالعلاقات الإنسانية بتجربة لم يسبقني بها الكثير، وفي نهاية كل دورة تراني سعيدة والطالبات استسلمن لواقع التعامل والتعليم معي، وأنا أسجل دهشة النجاح لي وللطالبات، لما لدي من الخبرات والتجارب الناضجة على مدى سنوات طويلة، والتي حاولت أن اختارها شخصيًا وأقدمها للطالبات بعناية وبأمانة وبما ينبغي. ولا أظنك عزيزتي المعلمة الفاضلة أقل مني كفاءة، ولا قدرة على تسجيل ما يمر بك من مواقف مع الطالبات مع فترة تجربتك التعليمية. 

نحن في الألفية الثالثة، فلقد تميزت العلاقة الطيبة بين المعلمة والطالبة، حيث تأمل الطالبة من المعلمة أن تمنحها العاطفة والاهتمام التي تفتقدها حسب ظروف أسرتها، وقد تتأمل الطالبة من معلمتها التفاؤل، لإيجاد حلول لمشاكلها التي غالبًا ما تكون اجتماعية أسرية. والمعلمة حتمًا تساعد في إصلاح نفسية وسلوك الطالبة أو هدمها، إنَّ من ضروريات العملية التربوية أن تدرك المعلِّمات والإداريات وأولياء الأمور، أنَّ العلاقة بين المدرسة والمنزل يجب أن تتميز كونها كيانين، في إطار المجتمع ليصبح كيانًا واحدًا مقدسًا ومؤسسًا، فما تبنيه المعلمة يجب أن تتبناه الأسرة، وما تحرص عليه البيوت يجب أن تدعمه المدرسة. 

جاء في التقرير الأمريكي: «أمة في خطر»، موضحًا: «الأمة في خطر: أمر إلزامي لإصلاح التعليم». كان هذا هو عنوان تقرير الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1983م بخصوص اللجنة الوطنية للتميز التربوي. كان نشر هذا التقرير حدثًا بارزًا في تاريخ العملية التعليمية الأمريكية الحديثة. فمن بين عدة أمور، ساهم هذا التقرير في النمو الذي لم يحدث قبل ذلك مطلقًا ولا يزال موجودًا، للشعور بأن المدارس الأمريكية قد ضعفت. 

أكثر عبارة أثارت انتباهي في هذا التقرير هي: «لأول مرة في تاريخ أمريكا يتخرج جيل لا يتفوق على آبائه!». فاستنتجت من هذه العبارة أن معيار التقدم المجتمعي هو: تفوق الجيل القادم على الحالي، فهذا يدل دلالة مؤكدة على أن معيار التقدم يساوي حينها هناك "صفر"! وماذا عنا نحن العرب هل صناعة جيل عربي قائم على الثقة والأمان والإبداع وحسن التعامل أمر مستحيل؟! هل نحتاج فقط لمناهج تعليم قائمة على التلقين دون إبداع واستيعاب؟! نحن والحق يقال، لدينا طاقم التعليم رفيع المستوى والأداء، متمكن في مجاله الشريف ورسالته المقدسة، ومتمكن من الرقي والفخر بالطلبة والطالبات دون انزلاق أو سقوط محتمل. 

إن مهنة المعلم هي مهنة جديرة بالتقدير والاحترام، فكيف لا وسيد الكون صلوات الله وسلامنا عليه يقول "إنما بعثت معلمًا" فالمعلم مربي أجيال وناقل ثقافة مجتمع وحامل أخلاق وسلوك رفيع. ولفت تأملي وانتباهي في حديث سيد الكون محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما العلم بالتعلم، نعم لقد ذكر النبي: بالتعلم ولم يقل بالتعليم!. ومن ذلك يتضح لنا أن صناعة جيل المستقبل، لا يمكن أن تقتصر على عملية المعرفة فقط، بل لابد من الاهتمام بفن التعامل وإعطاء هذه المعاملة مساحة أكبر في الوقت والجهد، حتى يمكن صناعة الجيل القادم متمتعًا بالأمان بالتوازن مما يعمل على اكتسابه الثقة بنفسه واسترداد الروح المعنوية الإيجابية للمجتمع من جديد بإذن الله.

أطرح هنا عددًا من التساؤلات، للعثور على الإجابة الذاتية:

· ما هو دور المعلمة ولماذا فقدت البعض من المعلمات المكانة الحقيقية بين الطالبات؟
· هل وقار واحترام تلك المعلمات أصبح في خبر كان؟ ما السبب في ضياع الهيبة عن بعضهن؟
· ما هي العوامل التي ساهمت في تهميش دور تلك القلة من الفئة داخل المدرسة والمجتمع؟ 
· هل طالبة اليوم غير طالبة الأمس؟ وهل هناك ثقة قائمة بين الطالبة والمعلمة؟ 
· هل يُجرى اختبار تحمُّل ذاتي لكل خرِّيجة ترغب في الانضمام لسلك التربية والتعليم؟ 

وهنا بعض الإيضاحات والمفاهيم: 
دور المعلمة اليوم لا يقتصر فقط على التعليم، بل هناك الكثير من المهام والأعباء، فمن كثرة المسؤوليات لا تدرك البعض مجازًا هل هي معلمة أو مراقبة أو مشرفة، عندما تدخل المعلمة على مديرة المدرسة للشكوى على طالبة مشاكسة، تطلب المديرة منها بلطف التحلي بالصبر على كل التجاوزات التي تسببها الطالبة، حيث لا مجال ولا ينبغي للمعلمة ممارسة العقاب الجسدي في أسوأ الحالات بلا تردد! حيث هناك ألف طريقة وطريقة لتقويم اعوجاجهن واستثمار طاقاتهن. 

لابد أن أشير هنا ليست كل خريجة قادرة على أن تكون معلمة، وليست كل معلمة قادرة على أن تكون مربية، وبالتالي فليست كلّ مربية قادرة أن تبني علاقات موجبة مع الطالبات لفهم صحيح لنفسياتهن، فبعض الطالبات تردعهن النظرة، وبعضهن لا يبالين حتى بالعقاب، حيث تعاني البعض من المعلمات من تمرد بعض الطالبات نتيجة ضغوط نفسية وأسرية داخل البيت، ومع هذا لا أعتبره مبررًا لهكذا تجاوز من الطالبة. 

للخوض في ثنايا هذه التجربة الموجودة بين أسوار مدارسنا، التي تؤكد أن الطالبة والمعلمة كل منهما يكمل الآخر، ويجب أن تظل العلاقة بين الطرفين قائمة على الود والاحترام والمُثل، يعتقد البعض أن التعامل مع الطالبات أمرًا سهلًا جدًا ولكنه غير صحيح، فالمعلمة المتمكنة والمتميزة هي من تجيد وتتقن فن التعامل مع الطالبات، لابد أن تتعامل مع الطالبات بأسلوب متقن لتكسب ثقتهن وأيضًا ينبغي أن تتميز بسعة الصدر والصبر، وهذا ما تتحلى به معلماتنا الفاضلات مع بناتنا الطالبات. حيث الطالبة عادة تبحث عن بديل إن كانت تعيش حالة من الفشل والاكتئاب أو الفقد والشتات، وسط أسرة غير مترابطة ومفككة. وغالبًا يقع الاختيار على المعلمة بصفتها شخصية إنسانية جاذبة وحنونة، كما أن العاطفة تتحكم بالمعلمة وتدفعها إلى التوغل والتعمق في ظروف الطالبة ومعرفة واقعها الحقيقي. 

العلاقة الطيبة بين الطالبة والمعلمة أنقذت الكثير من سلوكيات سلبية للطالبات، إلى جانب التغلب على حالة الإحباط والفشل التي تعيشها البعض نتيجة اضطرابات أسرية أو مشاكل اجتماعية واقتصادية. وأيضًا العلاقة الناجحة بين المعلمة والطالبة قضت على الرواسب النفسية التي تجلبها الطالبة معها من البيت. فالثقة بين الطرفين مطلب مؤكد، فالمعلمة علاقتها يجب أن تكون قائمة على الأمانة المهنية إضافة إلى التقدير والاحترام في إطار محدود ليس جافًا، وأن تبث في عقول طالباتها القيم العليا والأخلاق الطيبة فكثير من الطالبات تلجأن للمعلمة بحثًا عن المشورة والنصيحة وذلك مما يدل على الثقة المتبادلة 

من النقاط المهمة في فن التعامل مع الطالبات، حسب أعمارهن ومراعاة الفروق الفردية في التعامل، والمعلمة التي تنزل لمستوى تفكير الطالبة لا يعتبر سيئًا أو سلبًا أو ضعفًا في شخصيتها، بل يعتبر من المهارات التي تتميز بها المعلمة الموهوبة المتميزة المتواضعة المتمكنة، والتي تجيد فن التعامل مع الطالبات حيث القسوة لا تؤدي للوصول لنتائج حسنة وحل مشاكلهن مما يكسب الثقة في النفس وفي الغير.

في بداية العام الدراسي الجديد أهدي بعض الهمسات الخفيفة في فن التعامل مع الطالبات وكسب ثقتهن وإن كانت تمارس لدى جميع المدرسات:

قبل كل شيء وبداية كل مرحلة:
· بث الاطمئنان والأمن النفسي.
· إشباع جوانب الحب والحنان.
· غرس القيم والأخلاق الحميدة.
· تنمية الحاجة إلى الفوز والنجاح.
· تنمية شخصية الطالبات، واكتشاف قدراتهم الذاتية.
· إعطاء الطالبة الثقة في نفسها، وتحمل المسؤولية.
· معرفة الطالبات جيدًا وحفظ أسمائهن وشخصياتهن.
· معرفة اهتمامات الطالبات لحثهن على متابعة الدرس كما ينبغي.
· تعزيز شعور الطالبات خاصة المشاكسات ضعيفات الثقة بالنفس وإظهار التقدير والتشجيع لأي جهد تبذله الطالبات.
· التمتع بروح الدعابة وخلق جو من المرح مع ضبط زمام الأمور ومراعاة إحساس مشاعر البعض.
· تركيز المعلمة على أن يكون دورها في الفصل هو القيادة دون شدة وحزم بل برسم حدود معينة لكسب الهيبة والاحترام بما يليق وينبغي.
· السيطرة على المشاعر بالتفاؤل والسعادة والتوازن، هذا هو الدور الصائب أمام الطالبات.
· المحافظة على الهدوء عند أي موقف أو تصرف من بعض الطالبات لنيل احترام الطالبات.
· لتكوني مهذبة وقوية. عندما تسيء الطالبة إليك فليس من المصلحة أن تجاريها في أسلوبها بل كوني في جوابك عليها مؤدبة في حزم؛ لأن إساءتك في التعامل ستجعلينها تتمادى عليك، ومهما نزلت لمستوى متدنٍ في عباراتك فأنت الخاسرة باعتبارك المعلمة والقدوة.
· اجعلي نبرة صوتك خفيفة دون صراخ حتى لا تستنزف طاقتك وتظهرين أيضًا بشكل غير لائق بك.
· تذكري لعلك واقفة أمام الكثير من الطالبات، تسمعك بأذنيها وتراك بعينيها فأنت مطالبة بضبط حركاتك كلها أمام الطالبات.

وأخيرًا عزيزاتي المدرسات صانعات الأجيال المربيات الفاضلات أقول مجازًا، ولو كنت أشعر في يوم من الأيام أنني فقدت مكانتي وهيبتي واحترامي بين طالباتي! لاعتزلت هذا العمل وبقيت في بيتي حفاظًا على كرامتي، ولكن ما الذي يحصل الآن؟ كثير من المعلمات لا يفهمن نفسيات الطالبات، ولا المرحلة التي يمررن بها، فتحدث هناك فجوة بين المعلمة والطالبة، وينشأ صراع في كثير من الأحيان، من خلال خبرتي الطويلة في العمل التربوي الإنساني مع الطالبات بمختلف الأعمار والمستويات لمست أن هذه المشاكل أكثر ما تكون في صفوف المعلمات المبتدئات، أكثر من المعلمات اللاتي يملكن خبرة طويلة في مهنة التعليم، فهن أطول نفسًا من غيرهن، أعتقد أنه لا يوجد من يزايد على أهمية ودور الوظيفة التعليمية ومشاغلها، إذ يعتبر العمل في مجال التعليم إدارة أو إشرافًا تربويًا أو تدريسًا، من أهم وأبرز الأعمال التي تقدم للمجتمع، وذلك لكون المعلم أو المعلمة يقومان بدور حيوي في تربية النشء وتعليمه وتثقيفه وتأهيله لخدمة دينه ووطنه لا يسعني إلا أن أنحني لكن جميعًا، داعية للجميع بعام حافل بكل ما هو نافع ومفيد. 


error: المحتوي محمي