12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

رجالٌ لا يتكررون كثيرًا

يتملك الإنسانَ الفضولُ أحيانًا لمواقف يشاهدها بعينه، وتأخذه الدهشة إلى حيث لا ينفك من المراقبة والانبهار، حتى إنه لا يستطيع إلا أن يقتحم المشهد لتكتمل لديه الصورة جلية واضحة، ويستنتج منها ما لا يصدقه، لولا أنها الحقيقة التي يقف حائرًا أمامها، وتحتم عليه الصمت إجلالًا للمشهد الذي اكتملت تفاصيله، ثم يقر ويذعن أن في هذه الحياة ما يكفي من الحكايات والمواقف وإن قلت هذا الزمن، ما يحق أن تكون دروسًا للساعين لإثبات ذواتهم وجدارتهم بحياتهم، ويتخذونها مثالًا شاهدًا يدفعهم لأن يكونوا ولو بعضًا من أولئك الذين سطروا ولا يزال بعضهم يسطر لنا قصص العزيمة وروايات الكفاح بأنصع معانيها، ونستخلص منها العِبر، في الوقت الذي نكتشف فيه أننا أعجز من أن نكون مثلهم، فهؤلاء القلة لا يشبههم أحد، وقد بدوا ينحسرون إلا من عدد أصابع اليد هنا وهناك. 

لا أستطيع أن أبوح بتفاصيل ما أعرف، ولا حتى بالمنطقة ولا القرية التي ينتمي لها ذلك الإنسان الذي ألمح له من خلال مقدمتي الطويلة، وإني أعجز من أن أهتدي للكلمات التي تفيه حقه.

هو فقط ابن هذه الأرض والذي ورث عمله من سالفيه حين وجد نفسه يقتدي بهم وهو في مقتبل عمره، فتأزر بالعزيمة وأكمل المسيرة التي زرعت الأرض "حبًا وعنبًا وقضبًا"، وقد ارتوت عروقها من عَرَقِه الذي يتصبب من شدة حرارة الشمس الرطوبة الكثيفة هذه الأيام، فكنت لا أكاد أن أفرق بين سمرة وجهه ولحيته التي تشربت بالبياض، وبين غترته وثوبه، وإذا الأرض من حوله تنبع عيونًا نضاحة، والبراعم تنبت وترتفع وتنمو ثم تتشجر اخضرارًا، محملة بمختلف المحاصيل التي حباها الله هذه البقعة ضاربة الجذور والتاريخ، وهو ما يشهد لها بأنها الأم التي ولدت مثل هذا الرجل الفارع، في الوقت الذي نمر عليه، ونتوقف عنده لنأخذ حاجتنا منه ونحن في مراكبنا المختلفة،تهب علينا مكيفاتها بالهواء البارد، وهو واقف أو جالس على قطعة كرتون أو خيشة فوق الإسفلت من قبل وقت ذهابنا إلى أعمالنا صباحًا، ولا يعود إلا مع الغروب وهو يدفع عربة العجلة الواحدة لمسافات مستقيمة وملتوية، مشيًا على رجليه حتى يعود إلى بيته الذي غادره والشمس لم تشرق بعد.

تقبل عليه فيقبل عليك مرحبًا مبتسمًا، وملبيًا حاجتك وفوقها حبتان وتحيتان، وبأبخس الأثمان، حتى إنك لتخجل أن تساومه على القيمة والتي هي زهيدة قياسًا بما يباع في المحلات والمجمعات المغطاة، ويأخذ نقودك ويضعها في جيبه دون أن يعدها.

فمن هو يا ترى؟! من هو هذا الإنسان الذي أحسب أنه لا يتكرر في هذا الزمن؟ وأظن أنه ليس واحدًا، بل أكثر، ولكنهم قلة، يستطيع المرء أن يراهم، مع استثناء الأجانب، فما عليه سوى أن يجوب بسيارته بين القرى القطيفية من أقصاها لأقصاها، ليرى الأمثلة من هؤلاء والذين يشبهون من أعني.

ولا تستغرب لو سألت أحدًا منهم عن اسمه ونسبه وحسبه، فلسوف يجيبك فورًا ويزودك بالتفاصيل التي حتمًا سوف تذهلك بجمالها من أغلبهم، لأنهم يتشابهون، وهو ما فعلته حضرتي فضولًا، وما كدت أفعل وأسأل حتى أتتني الإجابة على فضولي وبعفوية وصراحة بأنه فلان ابن فلان وأن أبناءه فلان وفلان وفلان الذين هم الآن بين موظفين في كبرى الشركات ومدرسين ومتأهلين ومتأهلات، ومن لا يزال يكمل الدراسة الجامعة أو المدرسية.

فمن يا ترى قام بتربيتهم والصرف عليهم حتى أصبحوا رجالًا وأصحاب شهادات ووظائف، من يا ترى سواه ذلك الذي كان ولايزال يكافح ويجاهد ويتعب وقد طال به العمر على هذا الحال وإلى اللحظة فقط من أن يزرع ويحصد من أصبحوا اليوم يفتخرون به كما هو يفتخر بهم.

نعم هذا بعض من الذي سمعته وشاهدته وأدهشني، وأعجزني عن أن أصفه وأصف أمثاله القلة، سوى أن أختصر ذلك وأقول بأن هؤلاء هم المدرسة الحقيقية والجامعة والوظيفة، ولهذا فإن الأبناء يأخذون من أبيهم ما يدفعهم لأن يكونوا مثله وإن اختلفت المجالات، وليرتقوا بأنفسهم علمًا وعملًا وإنسانية وجدارة.

ولا أدري حقيقة كيف ستصل هذه الرسالة لبعض الشباب العاجزين حتى عن البحث عن وظيفة، في الوقت الذي يتأففون فيه من هذه الأعمال التي تتطلب ما لا يطيق أبناء المكيفات والكسل والخمول والاستسلام للضياع. 

لا أنسى أنني أخذت ما أحتاجه من كل نوع وملأت كيسين كبيرين من الباستيك فقط بخمسة عشر ريالًا، وطلبت منه أن يدعو لي ولأبنائي ليكونوا مثل أبنائه.

خاتمة:
من رباعيات الخيام 
ترجمة محمد الصافي النجفي

إلهيَ قُـل لي 
من خَـلا من خَطيئةٍ
وكيف تُرى 
عاش البريءُ من الذنبِ

إذا كنتَ 
تُجْزِيْ الذنبَ مِني بمِثلِهِ 
فما الفرقُ 
ما بيني وبينكَ يا رَبي


error: المحتوي محمي