12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قبل أن تقول: لقد فات الأوان (1)

كانت جلسةً مرئيةً عبرَ برنامجِ الزوومِ معَ أحدِ عملائي السابقين لكنْ هذِهِ المرةُ كانتْ الجلسةُ مختلفةً فقد كانتْ ملامح ُوجهِهِ وصوتِهِ مختلفين عن ما عهدته عليه في الجلساتِ السابقةِ. 

عادةً ما يكونُ مليئًا بالحيويةِ والحماسِ والنشاطِ يحاولُ دائمًا تحقيقُ أهدافَهُ التي وَضْعَهَا لنفسِهِ في بدايةِ العامِ. هذِهِ المرةُ شيءٌ مختلفٌ تمامًا عمَّا كان يبدو عليه. 

سألتُهُ ما الخبرُ؟ وماذا بك؟ كادَ أنْ يبكي، فاستدركَ بعدَ صمتٍ لدقائق وقال: إنَّ الأمرَ متعلقٌ بزوجتي، لقد توفيتْ أمُهَا قبلَ شهرٍ، وهي في حالةٍ سيئةّ جدًا من ذلك الحين، بكاء وحزن شديدانِ حتى وصلتُ لحالةِ الاكتئابِ وأنها لا تريدُ التحدثَ مع أحدٍ أبدًا. ومع أنها تدرسُ في الجامعةِ لكنَّها توقفتْ عن الذهاب للجامعةِ. 

قلتُ له: اللهُ يكونُ في عونِكُم جميعًا وخاصةٍ زوجتُك المصون. وأردفتُ قائلًا: أكيد كانت علاقتها بأمها علاقةً قويةً جدًا فلا تلام. تنهدَ تنهيدةً قويةً وأخذَ نفسًا عميقًا. وخَيَّمَ الصمتُ على الجلسةِ لعدةِ دقائقَ ثمَّ قالَ: للأسفِ لا. وبعدَ أنْ يعودَ الصمتُ ليخيِّمَ على الجلسةِ مرةً أخرى لعدةِ دقائقَ، أردفَ قائلًا: هي لم تتحدثْ مع والدتِها لعدةِ أشهرٍ قبلَ وفاتِها، وهذا هو السببُ الأهمُ الذي يُؤرّقُها، ويُحزنها فقدْ كانتْ وفاةُ أمها مفاجئة، ونحنُ خارجُ بلدِنا منذُ سنواتٍ. 

عاد الصمتُ لخيَّمَ على الجلسةِ لعدةِ دقائقَ، بعدها سألتُه: كيف يمكنني مساعدتك؟ قال: أريدُ منك مساعدتي أنا لكي أتمكنَ من التعاملِ مع هذا التحدي الجديد الكبير في هذه الفترة الحرجة. 

تحدثنا طويلًا عن: "إدارة الذات" فهي العنصرُ الأساسُ في مواجهةِ التحدياتِ أيًّا كانتْ هذِهِ التحدياتُ التي يواجهها الشخصُ على المستوى الشخصي أو العلاقاتِ أو المستوى المهني. 

في نهايةِ الحديثِ طلبتُ منه أن يوصل رسالةً لزوجته، فقلت له قل لها: لم يفتْ الأوانُ طالما أننا ما زلنا على قيد الحياةِ، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ}، [النساء 48].

وقد رُوي عن الرسولِ الأكرمِ صلى الله عليه وآله: "سيدُ الأبرارِ يومَ القيامةِ رجلٌ برَْ والديه بعدَ موتِهِما"، ورُوي أنَّه صلى الله عليه وآله سُئِل عن برِ الوالدينِ بعدَ موتِهِما فقالَ: "نعمْ، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدهِما من بعدهما، وصلةِ الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرامِ صديقهما". المصدر: 
ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 - الصفحة 3675.

وفي الختام: فلا تقنطْ فالقنوطُ من أعظم الذنوب {قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}، [الحجر 56].

إخوتي وأخواتي
أبنائي وبناتي 
هذه قصةٌ وعبرةٌ لمن يعتبر 
فلننتبهْ ولنستيقظْ قبلَ فواتِ الأوانِ
هدانا اللهُ وإيَّاكم إلى سبيلِ الرشادِ. ولا ننتظرُ: {حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، [المؤمنون 100].


error: المحتوي محمي