13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من القطيف.. معصومة الزُبيّل بدأت مشوار الخطابة في السابعة عشرة.. وقدمت دوراتها لـ40 عامًا 

ظهرت موهبتها عندما قرأت أول قصيدة بمفردها فسمعتها والدتها وشجعتها للخروج والمشاركة في المأتم، وذلك على غير عادة الفتيات في التدرُّج من قِراءة الفخري والوفاة، وبعدها الرواية، حتى الوصول إلى مرتبة الخطيبة الكاملة، وجدت أدا "قصائد العزاء" هو الأقرب إلى قلبها فبدأت بها إلى أن تمكنت من أن تكون "ملاية" تمارس كل ما تمارسه الخطيبات، وبعد مدة من ممارسة الخطابة استطاعت الأخذ بأيدي جيل جديد يتقن ممارستها واستخلاص دروسها.

الحاجة معصومة يوسف علي الزُبيّل، واحدة من خطيبات القطيف، بدأت مشوارها عام 1405هـ، حين كانت في الثانية عشرة من عمرها، وهي من عائلة لم يسبق فيها وجود الملا أو الخطيب أو الشاعر والرادود، ولم تكن وقتها تملك سوى موهبتها والرغبة في التفرّد بصوتها، كما أن حبها للإمام الحسين هو ما جعلها تصنع لنفسها الفرصة لتكون واحدة من الخطيبات في منطقة القطيف ونواحيها.

زبيل المجاميع
كأي طفلة لديها حب الاكتشاف بدأ شغف معصومة بمعرفة ما يحتويه "الزبيل" تلك السلة المصنوعة من الخوص وسعف النخيل التي توضع فيها الكتب والمجاميع للملاية سابقًا أو تكون ملفوفة في "الدسمال الأحمر" ذلك المنديل الذي تحمله ملايات الرعيل الأول.

استرجعت ابنة القطيف ذكريات بدايتها في التعلق بالخطابة، موضحةً أن ذلك يعود إلى حين كانت طفلة تجلس في انتظار انتهاء مجلس والدتها "أم السادة"، حتى تتسنى لها فرصة البحث في "المجاميع" وتصفحها، فتزيل تلك البيانات التي كانت تضعها الملاية، دون أي معرفة سابقة لوجودها والغرض منها، فتقوم بإزالتها من المجاميع، وإذ بالملاية تنتبه لذلك فتقول من أزال "البيانات"؟ فيقال لها معصومة! 

دورة الخطابة 
وعن بداياتها التدريبية قالت: البحث والحماس كانا بداخلي يدفعاني للتعلّم رغم أنني قد بدأت أقرأ في المجالس وأنا في السابعة عشرة من عمري، كنت آنذاك متزوجة ولديّ أطفال، انضممت لدورة الخطابة في بيت السيد جعفر الصائغ، وكانت زوجته هي من تعلمنا، وفي أيام التدريب طلبت من كل واحدة من المجموعة أن تقوم بكتابة درس تطبيقي عملي، فاخترت موضوع الدرس المطلوب بعنوان (العلم) وقد حاز على إعجاب الشيخ وزوجته بتقدير ممتاز. 

زكاة العلم نشره
كرّست "الزُبيّل" جلّ وقتها لتعليم الفتيات فنون الخطابة بالإضافة إلى عمل الملازم الخاصة والتسجيلات الصوتية للتدريب والتقييم، حيث كانت تُركز بشكل كبير على مستوى الأداء والمهارات المطلوبة وتحث طالباتها على الاجتهاد والعمل الجاد، وتستشهد لهن دائمًا بحديث للرسول الأكرم: ما تصدق الناس بصدقة أفضل من علمٍ ينشر. 

قدّمت الخطيبة معصومة الكثير من الدورات التدريبية في الخطابة بدأت أولى دوراتها بعدد يقارب 15 طالبة لفئات مختلفة الأعمار، بعدها ازداد عدد المتدربات لديها من 100 إلى 200 وصولًا إلى 700 متدربة وأكثر خلال السنوات الماضية، البعض منهن أصبحن خطيبات.

لكلّ مجتهدٍ نصيب 
علَّمت الخطيبة معصومة نفسها بنفسها بالممارسة والتجارب ومحاولة تثقيف النفس بكل جديد وانتقادها بكل صراحة وشجاعة، مما ساعدها في تطوير مهارات الخطابة في دوراتها، واستطاعت بموهبتها وأدائها وأسلوبها أن تبدع في توظيف المقامات وسلسلتها من البداية حتى النهاية.

أداء دون تقليد
استطاعت "الزُبيّل" إتقان أداء الأطوار والمقامات التي يعتمدها أغلب الخطباء في قِراءتهم مبينةً أنه ليس كل من لديه ملكة تقليد الصوت لديه القدرة على إتقان من يُقلّده في قِراءاته كما إذا قلّدت امرأة متقنة لأحكام التلاوة والتجويد مثلًا أي قارئ معروف فإنها قد تُحاكيه في طريقة أدائه ولكن لا يمكن أن تُحاكيه في صوته، هكذا يكون الأداء في الخطابة. 

أطوار معتمدة 
اعتمدت الخطيبة معصومة في قِراءتها بعض الأطوار والقصائد التي كان لها أثر كبير على القلب والروح وأبرزها الطور النسائي أو "الجنازي" بين الكثير من الأطوار التي تُحرّك الوجدان ويتفاعل معها الجمهور، والتي منها: التخميس، والحدي، والقطيفي، والفائزي وغيرها.

البحث والمعرفة
وعن أهمية البحث والمعرفة لدى الخطيب قالت: إنّ التغيير مطلوب عند الخطيب لئلا يبقى على نمط واحد فيملّ الجمهور، ويجب على الخطيب أن يتعب كثيرًا للوصول إلى المعرفة، سابقًا البحث كان أصعب من الآن، بينما اليوم الوصول إلى المعلومة صار أمرًا سهلًا وسريعًا، بالاستفادة من مواقع «النت»، وما يسمى بـ«محرك البحث الإلكتروني»، لذلك لا عذر للخطيب في نقص تحصيل المعلومة في التاريخ أو السيرة أو أي جانبٍ آخر، فهو بحاجة إلى الاستنارة بالعلم، كما عليه مواكبة التقدم العلمي، بالاستفادة من وسائل الاتصال السريعة. 

اختيار الموضوع
وعن اختيارها للمواضيع التي تطرحها قالت: أختار ما يتناسب مع مختلف الأعمار، كمناقشة المواضيع المتعلقة بالأسرة والمجتمع، والتربية الإسلامية، والزواج، والحجاب، والعفة والدين وغيرها الكثير، فكل هذه المواضيع مهمة جدًا للتوعية والتثقيف بالنسبة للفتيات والنساء، كما نجدها الآن واسعة الانتشار في وسائل التواصل الاجتماعي وذلك لأهميتها. 

دعم أبو مرتضى
وتحدثت عن تلك الشخصية التي لن تنساها أبدًا؛ الرجل الذي كان حاضرًا وداعمًا ومحفزًا للعطاء؛ زوجها الحاج محمد جاسم مهدي شلفاح قائلة: لم يكن زوجي العزيز أبو مرتضى -رحمه الله- بعيدًا عني بل كان له الدور البارز فيما وصلت إليه الآن وذلك ببركة جهوده ودعمه وتشجيعه، لقد كان قريبًا ومعينًا ومساعدًا حيث أعطاني المساحة الكاملة والكافية للتعلّم وتعليم الخطابة، مما أتاح لي الكثير من الوقت لاغتنام وتوظيف كل ما لدي من إمكانات ومهارات في تدريب الفتيات على فنون الخطابة.


error: المحتوي محمي