12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

زمن السين والجيم!

انتهى زمن كنا فيه نخشى أن نسأل والدينا وكبار السنّ والمثقفين. كان بيننا وبينهم حجاب من الخوف والرهبة، وإذا سألنا لا نتلقى إجابات شافية عن أسئلتنا إلا بشقّ الأنفس. وصلنا الآن إلى زمن تكاثرت فيه أسئلة شباننا وشاباتنا وتعددت الأجوبة. يحتار الناشئ بين أجوبة والديه وما يرى في وسائط التواصل الاجتماعي وما يقرأه في الكتب والمواقع الإلكترونية.

الشاب قديمًا لم يكن يسأل، الآن يسأل ويناقش ويجادل وعلى من يتصدى للإجابات من الأهل والمثقفين أن يكون صدره واسعًا للسؤال والجواب ولا يضيق ذرعًا مهما كان نوع السؤال وممن أتى! جلسة سؤال وجواب صريح مع الأبناء تعدل ألف ساعة من التخبط والبحث في الكتب ووسائل التواصل. عندما يراني أحفادي الذين لم تتجاوز أعمارهم ست سنوات أتصفح مادة مصورة يسألون ألف سؤال: ماذا؟ كيف؟ متى؟ وأين؟ وعليّ أن أجيب عن هذه الأسئلة بكل أمانة وصدق ومعرفة، فإذا لم أعرف الجواب كيف أجيب؟

في نطاق أوسع من العائلة، انتهت عشرة أيام من شهر محرم 1446 هجرية وتلقى المجتمع القطيفي كمًّا ضخمًا من أحاديث الخطباء المفيدة، ما يستدعي أن تدون ويطرح بعضها فوق طاولة التشريح والسؤال والجواب. لا داعي للخوف من السؤال فهو إما أن يثبت الفوائد أو ينفي الشبهات. من المفيد أن توجد وسيلة للتفاعل بين الخطيب والمستمع، إما بالتواصل الشخصيّ المحدود أو جلسة بين المستمع والخطيب!

السؤال والجواب يقشع غيوم الجهل في عصر يقرأ أحدنا معلومة واحدة أو نصف معلومة ثم يعدّ نفسه عارفًا بكل شيء! أحيانًا كثيرة يسألني ابني وعندما يسمع الإجابة يرتاح ويطمئن إليها، وكم من مرة تجول في خاطري شبهة لأني قرأت بسطحية وعندما أطرح السؤال على غيري يبدو الجواب مختلفًا تمامًا عما كنت أظن؟

السين والجيم ليس فقط في الدين إنما في كل نواحي الحياة، وعليه قامت المعرفة منذ خلق الدنيا فأول ما خلق الله آدم دار حوار بين الله سبحانه وتعالى والملائكة: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. حدثُ خلق آدم استدعى سؤالًا من الملائكة بشأن هذا الموجود الذي "قد" يفسد في الأرض ما استدعى جوابًا من الله سبحانه وتعالى عن سؤالهم!

كما يلام العارف على عدم الإجابة يعاب على السائل العجز والجبن عن السؤال! إذا لم يسألني ابني الراشد عما يدور في طاسة رأسه من أسئلة، كيف أجيبه وكيف أتحاور معه؟ متحدث ونصّ ثمّ سائل يسأل سؤالًا جيدًا، بهذه الثلاثة أبعاد ترتقي الإنسانية. للسؤال قيمة فلسفية ومعرفية متى ما أدركناهَا بدّدنا حجبَ الجهل ومتى ما عرفنا الإجابة اخترقنا عوالمَ المعرفة.


error: المحتوي محمي