12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

آلام الظاعنين!

القارئ الكريم والقارئة الكريمة، هل تكررت غربتكمَا عن الوطن؟ ما إن تعيشون في مكان إلا وتَنتقلون لآخر؟ لا بد أنه شعور صعب ومحزن! الكل راحل في الدنيا ولا بد من وسيلة نقل. قديمًا الناقة والبعير والحصان، والآن السيارة والطائرة ومن يدري أي وسيلة نقل في المستقبل؟! 

تقول العرب: ظعن المسافرُ إذا ارتحلَ وسار أما الظعينة فهي الراحلةُ يُرْتَحَلُ عليها وكذلك يقال للمرأة في الهودج ظعينة والهودج هو مقعد ذو قبّة يوضع على ظهر الجمل لتركب فيه النِّساء. كان الناس من سكان البوادي لا يقيمون في مكانٍ واحد إنما يرتحلون بين حين وآخر يبحثون عن أسباب الحياة. حياة لم نرها لكننا نستطيع أن نتصور مشاهد الرحيل بين الآلام والآمال! آلام شد الرحال ومغادرة حياة اعتادها أهلها وآمال بأن القادم من الأيام سوف يكون أفضل بإذن الله وأن مصاعب السفر سوف تلد مسراتٍ وبشائر سعيدة.

التاريخ مليء بحكايا من اضطَرتهم ظروفُ الحياة قسرًا أو عن طيب نفس أن يغادروا ويتركوا ديارًا استوطنوها وأناسًا أحبوهم والشعر العربي مليء بصور من شدّوا الظعون وساروا راحلين من رجال ونساء وأطفال. مثَّل الترحال عند الإنسان العربيّ القديم صراعًا بين الإنسان والبيئة، وبين الإنسان والإنسان. انتقال وارتحال، خصوبة وجَدب وجفاف، خوف وحروب، حياة وموت، لقاء وفراق أحباب، ما اضطره لابتكار وسائل مثل الهوادج لنقل النساء والأطفال فوق ظهور الجمال:
أيا حادي الظعائنِ أين راموا
أقصدهمُ عراقٌ أم شآمُ
إذا عرضت خيام الخيف خبِّر
بما بالصبِّ قد فعل الغرامُ
وإن يومًا حللتَ ديار سلمى
فقل كلفٌ به كلف السقامُ
تهيجه إذا لمعت بروقٌ
وتشجيهِ إذا سجعت حمامُ
فللشوقِ اضطرامٌ والتهابٌ
وللدمعِ انسكابٌ وانسجامُ

أيًا كان سبب الترحال فلك أن تتخيل هوادج مليئة بالنساء والأطفال تسير في عتمة الليل نحو المجهول في البراري والقفار بين أصوات مخيفة. لا يهون من مشقة الترحال إلا صوت الحادي، يسوق الإبل ويخفف من رعونتهَا في السير ويطمنها أن على جانبي الهودج رجال أشداء يحمون النساء من الأعداء والمخاطر ويسترونهنّ عن عيون الناظرين.

{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ}، على ما يبدو كان الناس قديمًا ثلاثة أصناف فإما ساكن في المدن والقرى في بيوت مبنية أو من اعتاد الترحال ويحمل معه الخيام، أو الذي يسافر وليس معه مستلزمات السكن. إنها حقًّا لنعمة كبيرة أن يستقر الإنسان في بيت دون الحاجة لشدّ الرحال وتحمل مشقات الغربة ومخاطر المجهول!

لا شكّ أن حياتنا تغيرت؛ فلا ظعائن ولا هوادج، لكن يبقى الفراق والبعد وإن بصورة نسبية يطارد الإنسان أينما كان من أول يوم في حياته وحتى مماته حين يحمل فوق ما يشبه الهودج في رحلة أبدية لا عودة منها.


error: المحتوي محمي