12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

فن الحزن المفتعل!

نحترم ونقدر مشاعر الأهالي حين يفقدون عزيزًا عليهم توفاه الله تعالى وانتقل إلى عالم الآخرة، وهو حق من حقوقهم، ولا يمكن أن يلام أحد على حزنه وتضجره على من يرحلون عن الدنيا، في الوقت الذي لا يمكن فيه كبت أحزانهم ولوعتهم على من فقدوا، وهو ما ينعكس سلبًا على بعضهم إن حدث. 

ولكن، ما هو الأهم من الحزن ذاته؟ نقول: إن الله تعالى أنعم على العباد بالصبر والنسيان والاحتساب والسلوان وأخذ العبرة والعظة، وأمور كثيرة تكون كفيلة بتخفيف ألم المصاب على الفاقدين، وتظل الذكرى الجميلة والسيرة الحسنة هما الدواء الناجع الذي يضمد الجراح، وليس بإطالة أمد المصيبة وقتيًا، وكل يوم وليلة بكاء ونياحة، وخاصة عند النساء واللاتي يتفنن بإلهاب المشاعر دون مراعاة لأقرب الناس علاقة بالمتوفى أو المتوفاة، وهو ما قد يسبب أمورًا لا يحمد عقباها على الصحة البدنية أو النفسية.

لا يمكن للحياة أن تتوقف هنا! ومن غير المعقول أن تظل سرادق العزاء مفتوحة الأمد؛ لأنه أمرٌ مُكلفٌ جدًا، ويعيق سير الحياة اليومية للبيوت والأفراد أنفسهم، ولحياتهم وحياة المتعلقين بهم، ولا يمكن أن يكون ذلك عذرًا غير منتهي الصلاحية. ويكفينا امتداد عدد أيام العزاء الأساسية عند الرجال والنساء والتي تكون بين خمسة إلى سبعة أيام، وربما ثلاثة أيام إضافية أيضًا، وتكون ثلاثة أوقات في بعض القرى والبلدات دون معرفة المغزى من ذلك سوى إرهاق الأهل والأقارب والأصدقاء لدرجة الملل والتعب والحرج!

وللأسف أن هذا الأمر له تبعات أخرى أيضًا، ومنها تأجيل الزيجات المجدولة على الرغم من مرور أشهر على حدث الوفاة والعزاء، الأمر الذي يسبب خسائر مادية ربما تكون ديونًا في الأصل، كما وتمر الأعياد والمناسبات الفرائحية، وواجب تلبية الدعوات والذي هو أيضًا من المحرمات المسنونة عرفًا للأسف، ولا أحد يعير ذلك اهتمامًا، حتى الملابس تظل تبديل سوداء مع الوجوه الشاحبة قصدًا وعمدًا وعن سابق إصرار، ولا ندري ما الذي يحدث خلال هذه الفترة التي تزيد على الأربعين يومًا وهو الأمر المتعارف عليه بصورة خاطئة لأن المقصود هو ذكرى مرور الأربعين يومًا وليس امتداد العزاء دون حد، لدرجة وصل فيها الأمر الآن أن يقام تأبين سنوي دائم، في ظاهرة بدأت تنتشر وخاصة عند الرجال، وكأنهم ينافسون النساء في جعل الحياة حزنًا دائمًا، ولنا أن نتصور ومع امتداد الوقت كيف سيكون عليه الحلال إذا سَنت غالبية الناس هذه السنة وهو أمر وارد التقليد الأعمى، وكم سيتكلف ذلك من عناء وحرج لكثرة الدعوات والتي بلا شك ستصبح يومية عندها، ويحتار المدعو بين تلبية هذا وذاك وذلك وهؤلاء وأولئك، أو عدم التلبية لأنها ليست ضرورية من الأساس، وسوف يكلفه ذلك كثيرًا، ربما أبسطها فتور العلاقات بينه وبين بعض المعنيين الداعين لأمر يجب أن نتوقف عنده ونفكر في إيقافه لعدم ضرورته بتاتًا مع كامل الاحترام للجميع.

الحياة تسير، والموت سنة جارية بين الناس، وعلى المفقودين الرحمة والرضوان وللفاقدين الصبر والسلوان، ولكن تجب مراجعة هذه الطقوس المفتعلة. وبدلًا منها يمكن أن يقوم الأهل بتوثيق سيرة المفقود بما يستحقه في كتب أو تصوير أو فيديو وحفظ ذلك تخليدًا له أو لها. وأما غير ذلك فإنما هو تضخيم فإنما هو في غير محله إن زاد على الحد المعقول والذي يخالف الواقع ويجانب الصواب، والسلام.


error: المحتوي محمي