ليس هناك من وقت أمتع للإنسان من استرجاع صور ليلة العمر، واستحضار تلك اللحظات التي لا تُمحى من ذاكرته، أيامٌ من الماضي كانت مختلفة بطقوسها ومراسيمها، فيوم "السبوحة" الذي تختلف عصريته باستعداد "المعرس" ليكون في أبهى حلته، وزفة الجماعة لمعرسهم الغالي، وليلة الزفاف بأهازيجها وقراءة المولد الشريف، ويوم التبريك، وعادات وتقاليد تجددّها أيام الفرح، وزهوة الزفاف ولمة المعازيم، وكل ذلك يجمعهُ مكانٌ واحد هو مكان الاحتفاء بذلك الشاب الذي سيكمل نصف دينه.
لكنّ الحدث الذي لم تعرفه المنطقة فيما مضى هو الطوابير الطويلة من الرجال؛ شباب وكبار في السن ينتظرون دورهم لإلقاء التحية على "العرّيس" ومصافحته، والتقاط الصور التذكارية معه، طابورٌ يستغرق ما يقارب الساعة وقد يزيد أحيانًا لضعفها، ممّا يراه البعض إهدارًا للوقت، وعدم مبالاة بمئات الحضور الذين قدموا لإلقاء التحية والتبريك ملبين للدعوة.
فهل أصبحت تلك الطوابير ظاهرة تستدعي الوقوف معها في صف الانتظار؟ أم هل سيأتي الوقت الذي يُكتفى فيه بتبريك وسائل التواصل الاجتماعي كما في أعيادنا اليوم؟ أم أن هناك من يراها بعين الإيجابية والموروث الذي ينبغي ألا يزول؟
90 دقيقة
"في إحدى الزواجات استغرق مني التبريك ساعة ونصف الساعة وكنتُ في عجلة من أمري لارتباطي بالدوام" بهذا الاستنكار بدأ المهندس بشركة سابك ناصر أحمد آل خليف حديثه لـ«القطيف اليوم» معتبرًا أنّ السلبية واضحة في استغراق وقت طويل ومبالغ فيه عند تلبية دعوة أحدهم وحضور التبريك، فالغالبية ممّن يقفون يكون قصدهم التصوير الذي لابد أن تسبقه المصافحة والتقبيل، وهذا سيتطلّب وقتًا إضافيًا قد يزعج البعض الذين لا يرغبون سوى بتقديم التبريكات والسلام، ويؤدون واجبًا اجتماعيًا لا أكثر.
أكثر من دعوة
ويتشارك مسؤول سلسلة مطاعم التنين الأخضر حسين علي الشيخ نفس الرأي السابق، فالموضوع على حد رأيه بات يخرج عن السيطرة في استغراق الساعات الطوال لتقديم التبريكات والمصافحة، مضيفًا: "في حين أنّ الأمر لا يستدعي الوقوف الطويل، وخاصة لو كان الضيف لديه أكثر من تلبية دعوة زواج وفي عدة مناطق بالقطيف وقراها، فالسلام المتعارف عليه هو أفضل حل في المناسبات، وهو ما يجعل الأمور تسير بسلاسة وبأفضل حال، ممّا يمكّن الأشخاص الملبّين من زيارة أكثر من زواج وتقديم الواجب لهم".
واستعاد الشيخ ذلك الماضي الجميل الذي وصفه بأن الوضع فيه أفضل بكثير من الوضع الحالي؛ فكاميرا واحدة كان يتم بها تصوير المعازيم في الزواج، وتسجيل فيديو طوال ساعات الاحتفال بالزواج، وإجراء بعض اللقاءات الأخوية السريعة مع المعازيم كمشاركة وتهنئة للعريس وأهله تبقى معه طوال حياته، هذا الوضع الذي يتخالف مع حاضرنا بطوابير طويلة، والتقاط الصورة تلو الصورة، وتحايا وقبلات للعريس، ينتظر معها كل شخص يقف في طابور التهنئة، بصورة تغيب معها مراعاة القادمين من مناطق بعيدة عن منطقة العرس أو من لديهم ارتباطات كثيرة، وقبل هؤلاء كبار السن الذين ينبغي أن تكون لهم معاملة خاصة واحترام وتقدير أكثر!
إيجابية تتفوّق
وخالف الدكتور حبيب ناصر آل مكي هذين الرأيين اللذين يريان سلبية هذه الظاهرة، متحدثًا عن إيجابياتها التي يراها من وجهة نظره واضحة وملموسة، قائلًا: "أعتقد أن هذه ظاهرة اجتماعية مهمة لها آثار إيجابية اجتماعية تفوق الآثار السلبية، وإنما تحتاج فقط إلى تنظيم لتفادي بعض الأمور، فأعداد الحضور تعتمد على دعوة الداعين، ومن يعتقد أنّ التبريكات مضيعة للوقت فعليه استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، ولا قلق مطلقًا من هذه الظاهرة الجيدة، فبمقارنة بسيطة بينها وبين الظواهر الأخرى نجد أنها ظاهرة راجحة الميزان بإيجابيتها ومحاسنها، وما تعززه من علاقات اجتماعية ومحبة بين الناس".
عادات لا تندثر
وأيّد حسين يوسف السيهاتي الذي يعمل مشرف بناء في شركة جنان فدك للتطوير والاستثمار العقاري رأي الدكتور آل مكي واصفًا ليلة الزفاف بأنّها ليلةٌ فريدة بكل ما فيها، وأجمل ما فيها أنها تعكس عاداتنا وتقاليدنا وشرع الله لنا، وهي ليلة فارقة مبهجة في عمر العريس لن تتكرر بفرحه وسروره فيها، وإن كانت ليلة تعب لمن يرون في التبريكات الآن ظاهرة سلبية، إلا أنه يراها متعبة للعريس أكثر من المعازيم؛ لاضطراره إلى الوقوف كل الوقت لتقبّل التهاني والتبريكات.
وعزا السيهاتي هذه الظاهرة "المزعجة للبعض" بسبب انقراض صباحية العرس، التي كان الناس قديمًا يقدمون فيها لبيت العريس أو المجلس المخصص لإلقاء التبريكات؛ حيث إن ليلة العرس في الماضي كانت ليلة ابتهاج باستماع الموالد الشريفة، والاستمتاع بأجواء العرس وتناول وليمة المعاريس أكثر من كونها ليلة تهنئة، ولم يكن هناك من طابور انتظار كما الآن، لأنّ المعرس سينال حقه من التبريكات صباحًا وعصرًا في اليوم التالي لعرسه.
ونوّه بأنّ الطوابير التي ينزعج منها البعض في الأعراس هي ذاتها الموجودة في تقديم واجب العزاء وإن اختلف الهدف ما بين المواساة والمشاركة، إلا أن كلا الأمرين مستحبان، كما أنّ حضور العرس هو أكبر دليل على القرب القلبي من العريس، والتقاط صورة خالدة معه يهون بجانبها ذلك الوقت الذي يبقاه المهنؤون منتظرين الوصول للعريس، وقال: "فإن استكثار الوقت للفرح يضيّع البهجة المقصودة للحضور والمشاركة، بل على العكس تمامًا فتلك الطوابير هي طوابير إيجابية تعزّز عاداتنا وتقاليدنا في الفرح والمشاركة واقتطاع وقت للبهجة وسط ضغوطات الحياة وزحمتها".
لكنّ الحدث الذي لم تعرفه المنطقة فيما مضى هو الطوابير الطويلة من الرجال؛ شباب وكبار في السن ينتظرون دورهم لإلقاء التحية على "العرّيس" ومصافحته، والتقاط الصور التذكارية معه، طابورٌ يستغرق ما يقارب الساعة وقد يزيد أحيانًا لضعفها، ممّا يراه البعض إهدارًا للوقت، وعدم مبالاة بمئات الحضور الذين قدموا لإلقاء التحية والتبريك ملبين للدعوة.
فهل أصبحت تلك الطوابير ظاهرة تستدعي الوقوف معها في صف الانتظار؟ أم هل سيأتي الوقت الذي يُكتفى فيه بتبريك وسائل التواصل الاجتماعي كما في أعيادنا اليوم؟ أم أن هناك من يراها بعين الإيجابية والموروث الذي ينبغي ألا يزول؟
90 دقيقة
"في إحدى الزواجات استغرق مني التبريك ساعة ونصف الساعة وكنتُ في عجلة من أمري لارتباطي بالدوام" بهذا الاستنكار بدأ المهندس بشركة سابك ناصر أحمد آل خليف حديثه لـ«القطيف اليوم» معتبرًا أنّ السلبية واضحة في استغراق وقت طويل ومبالغ فيه عند تلبية دعوة أحدهم وحضور التبريك، فالغالبية ممّن يقفون يكون قصدهم التصوير الذي لابد أن تسبقه المصافحة والتقبيل، وهذا سيتطلّب وقتًا إضافيًا قد يزعج البعض الذين لا يرغبون سوى بتقديم التبريكات والسلام، ويؤدون واجبًا اجتماعيًا لا أكثر.
أكثر من دعوة
ويتشارك مسؤول سلسلة مطاعم التنين الأخضر حسين علي الشيخ نفس الرأي السابق، فالموضوع على حد رأيه بات يخرج عن السيطرة في استغراق الساعات الطوال لتقديم التبريكات والمصافحة، مضيفًا: "في حين أنّ الأمر لا يستدعي الوقوف الطويل، وخاصة لو كان الضيف لديه أكثر من تلبية دعوة زواج وفي عدة مناطق بالقطيف وقراها، فالسلام المتعارف عليه هو أفضل حل في المناسبات، وهو ما يجعل الأمور تسير بسلاسة وبأفضل حال، ممّا يمكّن الأشخاص الملبّين من زيارة أكثر من زواج وتقديم الواجب لهم".
واستعاد الشيخ ذلك الماضي الجميل الذي وصفه بأن الوضع فيه أفضل بكثير من الوضع الحالي؛ فكاميرا واحدة كان يتم بها تصوير المعازيم في الزواج، وتسجيل فيديو طوال ساعات الاحتفال بالزواج، وإجراء بعض اللقاءات الأخوية السريعة مع المعازيم كمشاركة وتهنئة للعريس وأهله تبقى معه طوال حياته، هذا الوضع الذي يتخالف مع حاضرنا بطوابير طويلة، والتقاط الصورة تلو الصورة، وتحايا وقبلات للعريس، ينتظر معها كل شخص يقف في طابور التهنئة، بصورة تغيب معها مراعاة القادمين من مناطق بعيدة عن منطقة العرس أو من لديهم ارتباطات كثيرة، وقبل هؤلاء كبار السن الذين ينبغي أن تكون لهم معاملة خاصة واحترام وتقدير أكثر!
إيجابية تتفوّق
وخالف الدكتور حبيب ناصر آل مكي هذين الرأيين اللذين يريان سلبية هذه الظاهرة، متحدثًا عن إيجابياتها التي يراها من وجهة نظره واضحة وملموسة، قائلًا: "أعتقد أن هذه ظاهرة اجتماعية مهمة لها آثار إيجابية اجتماعية تفوق الآثار السلبية، وإنما تحتاج فقط إلى تنظيم لتفادي بعض الأمور، فأعداد الحضور تعتمد على دعوة الداعين، ومن يعتقد أنّ التبريكات مضيعة للوقت فعليه استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، ولا قلق مطلقًا من هذه الظاهرة الجيدة، فبمقارنة بسيطة بينها وبين الظواهر الأخرى نجد أنها ظاهرة راجحة الميزان بإيجابيتها ومحاسنها، وما تعززه من علاقات اجتماعية ومحبة بين الناس".
عادات لا تندثر
وأيّد حسين يوسف السيهاتي الذي يعمل مشرف بناء في شركة جنان فدك للتطوير والاستثمار العقاري رأي الدكتور آل مكي واصفًا ليلة الزفاف بأنّها ليلةٌ فريدة بكل ما فيها، وأجمل ما فيها أنها تعكس عاداتنا وتقاليدنا وشرع الله لنا، وهي ليلة فارقة مبهجة في عمر العريس لن تتكرر بفرحه وسروره فيها، وإن كانت ليلة تعب لمن يرون في التبريكات الآن ظاهرة سلبية، إلا أنه يراها متعبة للعريس أكثر من المعازيم؛ لاضطراره إلى الوقوف كل الوقت لتقبّل التهاني والتبريكات.
وعزا السيهاتي هذه الظاهرة "المزعجة للبعض" بسبب انقراض صباحية العرس، التي كان الناس قديمًا يقدمون فيها لبيت العريس أو المجلس المخصص لإلقاء التبريكات؛ حيث إن ليلة العرس في الماضي كانت ليلة ابتهاج باستماع الموالد الشريفة، والاستمتاع بأجواء العرس وتناول وليمة المعاريس أكثر من كونها ليلة تهنئة، ولم يكن هناك من طابور انتظار كما الآن، لأنّ المعرس سينال حقه من التبريكات صباحًا وعصرًا في اليوم التالي لعرسه.
ونوّه بأنّ الطوابير التي ينزعج منها البعض في الأعراس هي ذاتها الموجودة في تقديم واجب العزاء وإن اختلف الهدف ما بين المواساة والمشاركة، إلا أن كلا الأمرين مستحبان، كما أنّ حضور العرس هو أكبر دليل على القرب القلبي من العريس، والتقاط صورة خالدة معه يهون بجانبها ذلك الوقت الذي يبقاه المهنؤون منتظرين الوصول للعريس، وقال: "فإن استكثار الوقت للفرح يضيّع البهجة المقصودة للحضور والمشاركة، بل على العكس تمامًا فتلك الطوابير هي طوابير إيجابية تعزّز عاداتنا وتقاليدنا في الفرح والمشاركة واقتطاع وقت للبهجة وسط ضغوطات الحياة وزحمتها".



